كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)
وَمِنَ الْيُسْرِ الأَْصْلِيِّ إِعْفَاءُ الصَّغِيرِ، وَالْمَجْنُونِ، مِنْ سَرَيَانِ الأَْحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ عَلَيْهِمَا، وَإِعْفَاءِ النِّسَاءِ مِنْ وُجُوبِ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، وَمِنْ تَأَكُّدِ صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ أَوْ وُجُوبِهَا عَلَى الْخِلاَفِ فِي ذَلِكَ. وَهَذَا مَعْنَى كَثِيرٍ مِنَ الاِشْتِرَاطَاتِ الَّتِي تُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْعِبَادَاتِ، وَالْحُدُودِ، وَبَعْضِ حُقُوقِ الْعِبَادِ كَحَقِّ الْقِصَاصِ، وَحَقِّ حَدِّ الْقَذْفِ، فَقَدِ اشْتُرِطَ فِيهَا جَمِيعًا الْبُلُوغُ وَالْعَقْل، وَاشْتُرِطَ فِي حَدِّ الزِّنَى أَرْبَعَةُ شُهُودٍ تَقْلِيلاً لِحَالاَتِ وُجُوبِ الْحَدِّ، تَخْفِيفًا وَتَيْسِيرًا، وَاشْتُرِطَ لِلرَّجْمِ لِشِدَّتِهِ الإِْحْصَانُ تَخْفِيفًا عَنْ غَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَاسْتُثْنِيَ الْوَلِيُّ الْفَقِيرُ مِنْ عَدَمِ جَوَازِ الأَْكْل مِنْ مَال الْيَتِيمِ؛ تَخْفِيفًا عَنْهُ، فَقَدْ أُذِنَ لَهُ أَنْ يَأْكُل بِالْمَعْرُوفِ.
17 - ب - وَمِنْهَا مَا عُهِدَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ أَنَّهُ يَسْتَثْنِي مِنْ نُصُوصِ التَّكْلِيفِ الصُّوَرَ الَّتِي فِيهَا عُسْرٌ فَيُيَسِّرُهَا، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ لِلْوَلِيِّ فِي مُخَالَطَةِ الْيَتِيمِ فِي النَّفَقَةِ بَعْدَ أَنْ نَهَى عَنْ أَكْل أَمْوَالِهِمْ وَأَمَرَ بِإِصْلاَحِهَا فَقَال: {وَيَسْأَلُونَك عَنِ الْيَتَامَى قُل إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} (1) ثُمَّ قَال تَعَالَى: {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} (2) فَأَذِنَ فِي الْمُخَالَطَةِ، لأَِنَّ فِي عَزْل نَفَقَةِ الْيَتِيمِ وَحْدَهُ عُسْرًا عَلَى الْوَلِيِّ. وَالْمُخَالَطَةُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَال
__________
(1) سورة البقرة / 220.
(2) سورة البقرة / 220.
الْيَتِيمِ بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ كَافِيهِ، بِالتَّحَرِّي، فَيَجْعَلُهَا مَعَ نَفَقَةِ أَهْلِهِ، مَعَ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ يَأْكُل أَكْثَر مِنْ بَعْضٍ فَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِصْلاَحًا. ثُمَّ قَال تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأََعْنَتَكُمْ} (1) أَيْ بِإِيجَابِ عَزْل نَفَقَةِ الْيَتِيمِ وَحْدَهَا لِيَأْمَنَ الْوَلِيُّ مِنْ أَكْلِهِ أَوْ أَهْلِهِ شَيْئًا مِنْهَا (2) .
وَدَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى أَنَّ الْمَشَقَّةَ عَلَى هَذِهِ الأُْمَّةِ لَيْسَتْ مُرَادَةً لِلَّهِ تَعَالَى.
18 - ج - وَمِنْهَا مَا عُلِمَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَفَادَى مَا يَكُونُ سَبَبًا لِتَكَالِيفَ قَدْ تَشُقُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ يَتَجَنَّبُ أَنْ يَصْنَعَ شَيْئًا يَكُونُ فِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى أَصْحَابِهِ إِذَا اقْتَدَوْا بِهِ فِيهِ، كَمَا قَال تَعَالَى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (3)
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحُثُّ أَصْحَابَهُ عَلَى تَرْكِ السُّؤَال لِئَلاَّ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ فَرَائِضُ بِسَبَبِ سُؤَالِهِمْ. فَقَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْحَجِّ. أَفِي كُل عَامٍ هُوَ؟ فَقَال: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ، ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ (4)
__________
(1) سورة البقرة / 220.
(2) تفسير القرطبي: سورة البقرة / 220.
(3) سورة التوبة / 128.
(4) حديث: " لو قلت نعم لو جبت، ولما استطعتم ذروني ما تركتم " أخرجه ابن ماجه (2 / 963 - ط عيسى الحلبي) قال البوصيري (هذا إسناد صحيح رجاله ثقات) . الزوائد (3 / 180 - ط الدار العربية) .
الصفحة 218