كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)
وَقَال: لَوْلاَ أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمَّتِي لأََمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُل صَلاَةٍ (1) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ الْيُسْرَ عَلَى النَّاسِ (2) .
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِي وَهُوَ مَسْرُورٌ طَيِّبُ النَّفْسِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ وَهُوَ كَئِيبٌ، فَقَال: إِنِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ دَخَلْتُهَا إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ أَتْعَبْتُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي (3) وَقَال: لَوْلاَ أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ قَطُّ (4) .
19 - د - وَمِنْهَا الإِْجْمَاعُ عَلَى عَدَمِ قَصْدِ الْمَشَقَّةِ وَالْعَنَتِ فِي التَّكْلِيفِ، وَأَنَّهَا وُضِعَتْ عَلَى قَصْدِ الرِّفْقِ وَالتَّيْسِيرِ، وَعَلَى هَذَا لَمْ يَزَل أَهْل الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا فِي الأُْمَّةِ عَلَى طَلَبِ الْيُسْرِ عَلَى النَّاسِ.
__________
(1) حديث: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " أخرجه البخاري (2 / 374 - ط السلفية) . ومسلم (1 / 220 - ط عيسى الحلبي) واللفظ له.
(2) حديث: " كان يجب السير على الناس " لم نعثر عليه في المصادر التي بين أيدينا إلا أنه يدل على ذلك حديث " ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا ". أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 524 - ط السلفية) .
(3) حديث: " إني دخلت الكعبة. . . . " أخرجه أحمد (6 / 137 ط المكتب الإسلامي) وأبو داود (2 / 526 - ط عزت عبيد دعاس) . والترمذي (3 / 223 - ط مصطفى الحلبي) . وقال: (حديث حسن صحيح) .
(4) حديث: " ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية قط ". أخرجه البخاري (فتح الباري 1 / 92 - ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1497 - ط عيسى الحلبي) .
دَرَجَاتُ الْمَشَاقِّ، وَالتَّكْلِيفُ بِهَا:
20 - لَيْسَ مَعْنَى يُسْرِ الشَّرِيعَةِ خُلُوُّ جَمِيعِ التَّكَالِيفِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ مِنْ جِنْسِ الْمَشَقَّةِ أَصْلاً، بَل إِنَّ التَّكْلِيفَ، مَا سُمِّيَ بِهَذَا إِلاَّ لأَِنَّهُ طَلَبُ مَا فِيهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ، فَلاَ يَخْلُو شَيْءٌ مِنَ التَّكَالِيفِ عَنِ الْمَشَقَّةِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْمَشَقَّةَ عَلَى دَرَجَاتٍ:
الدَّرَجَةِ الأُْولَى:
21 - الْمَشَقَّةُ الَّتِي لاَ يَقْدِرُ الْعَبْدُ عَلَى حَمْلِهَا أَصْلاً، فَهَذَا النَّوْعُ لَمْ يَرِدْ التَّكْلِيفُ بِهِ فِي الشَّرْعِ أَصْلاً؛ إِذْ لاَ قُدْرَةَ لِلْمُكَلَّفِ عَلَيْهِ فِي الْعَادَةِ، فَلاَ يَقَعُ التَّكْلِيفُ بِهِ شَرْعًا، وَإِنْ جَازَ عَقْلاً، وَقِيل يَمْتَنِعُ التَّكْلِيفُ بِهِ شَرْعًا وَعَقْلاً. فَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ مِثْل تَكْلِيفِ الإِْنْسَانِ بِحَمْل جَبَلٍ، وَلاَ كَتَكْلِيفِ مَقْطُوعِ الرِّجْلَيْنِ الْقِيَامَ أَوِ الْمَشْيَ (1) .
وَهَذَا التَّكْلِيفُ كَمَا أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ، لَمْ يُوجَدْ فِي الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ السَّابِقَةِ أَيْضًا، بِخِلاَفِ الأَْنْوَاعِ الآْتِيَةِ. وَيُعَبِّرُ الأُْصُولِيُّونَ عَنْ هَذَا بِمَنْعِ التَّكْلِيفِ بِمَا لاَ يُطَاقُ (2) .
__________
(1) مسلم الثبوت 1 / 123.
(2) الموافقات 2 / 107 وما بعدها، وتفسير القرطبي 3 / 428.
الصفحة 219