كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)

الْمَوْضِعُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ الرِّفْقُ وَالأَْخْذُ مِنَ الْعَمَل بِمَا لاَ يُحَصِّل مَلَلاً، حَسْبَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَهْيِهِ عَنِ الْوِصَال، وَعَنِ التَّنَطُّعِ وَالتَّكَلُّفِ (1) .
وَقَال: خُذُوا مِنَ الأَْعْمَال مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَل حَتَّى تَمَلُّوا (2) وَقَال: الْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا (3) وَقَال: إِنَّ الْمَنْبَتَ لاَ أَرْضًا قَطَعَ وَلاَ ظَهْرًا أَبْقَى. (4)

الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ:
24 - الْمَشَقَّةُ الَّتِي فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنَ التَّأْثِيرِ فِي تَعَبِ النَّفْسِ خُرُوجٌ عَنِ الْمُعْتَادِ فِي الأَْعْمَال الْعَادِيَّةِ، وَلَكِنْ نَفْسُ التَّكْلِيفِ بِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَاتُ قَبْل التَّكْلِيفِ. فَفِيهِ مَشَقَّةٌ عَلَى النَّفْسِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ؛ وَلِذَلِكَ
__________
(1) الموافقات 2 / 120.
(2) حديث: " خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لن يمل حتى تملوا "، أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 213 - ط السلفية) ، ومسلم (2 / 811 ط عيسى الحلبي) ، واللفظ له.
(3) حديث: " القصد القصد تبلغوا " أخرجه البخاري (فتح الباري 11 / 284 - ط السلفية) .
(4) حديث: " إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى ". قال الهيثمي: رواه البزار وفيه يحيى بن المتوكل أبو عقيل وهو كذاب مجمع الزوائد 1 / 62 - ط مكتبة المقدس) . وضعفه العجلوني في كشف الخفاء (2 / 284 - ط مؤسسة الرسالة) وقال: " وهذا كالحديث الآخر الذي أخرجه البخاري وغيره عن أبي هريرة " إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ".
أُطْلِقَ عَلَيْهِ لَفْظُ " التَّكْلِيفِ " وَهُوَ فِي اللُّغَةِ يَقْتَضِي مَعْنَى الْمَشَقَّةِ؛ لأَِنَّ الْعَرَبَ تَقُول " كَلَّفْتُهُ تَكْلِيفًا " إِذَا حَمَّلْتُهُ أَمْرًا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَأَمَرْتُهُ بِهِ، وَتَقُول: " تَكَلَّفْتُ الشَّيْءَ " إِذَا تَحَمَّلْتُهُ عَلَى مَشَقَّةٍ. فَمِثْل هَذَا يُسَمَّى مَشَقَّةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ؛ لأَِنَّهُ دُخُولٌ فِي أَعْمَالٍ زَائِدَةٍ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا. وَأَقَل مَا فِيهِ فِي الأَْعْمَال الدِّينِيَّةِ إِخْرَاجُ الْمُكَلَّفِ عَمَّا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ، وَمُخَالَفَةُ الْهَوَى فِيهِ مَشَقَّةٌ مَا.
وَلَكِنِ الشَّرِيعَةُ جَاءَتْ لإِِخْرَاجِ الْمُكَلَّفِ مِنِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ اخْتِيَارًا كَمَا هُوَ عَبْدٌ لِلَّهِ اضْطِرَارًا (1) .
وَهَذَا النَّوْعُ لاَزِمٌ لِكُل تَكْلِيفٍ؛ إِذْ لاَ تَخْلُو مِنْهُ التَّكَالِيفُ الشَّرْعِيَّةُ. وَالْمَشَقَّةُ الَّتِي فِيهِ - وَإِنْ سُمِّيَتْ مَشَقَّةً مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ - إِلاَّ أَنَّهَا لاَ تُسَمَّى فِي الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ مَشَقَّةً، كَمَا لاَ يُسَمَّى فِي الْعَادَةِ مَشَقَّةً طَلَبُ الْمَعَاشِ بِالْحِرَفِ وَسَائِرِ الصَّنَائِعِ، بَل أَهْل الْعُقُول، وَأَصْحَابُ الْعَادَاتِ يَعُدُّونَ الْمُنْقَطِعَ عَنْهُ كَسْلاَنَ، وَيَذُمُّونَهُ بِذَلِكَ، فَكَذَلِكَ الْمُعْتَادُ فِي التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ (2) .
فَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الدَّرَجَةَ الأُْولَى لاَ تَكْلِيفَ بِهَا أَصْلاً، فَالشَّرِيعَةُ لاَ تُكَلِّفُ الْعِبَادَ بِمَا لَيْسَ مَقْدُورًا لَهُمْ أَصْلاً، وَكَذَلِكَ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ، فَالْمَشَقَّاتُ الْفَادِحَةُ كَقَتْل الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ، أَوْ قَطْعِ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ لاَ تَكْلِيفَ بِهَا فِي هَذِهِ
__________
(1) الموافقات 2 / 121 - 153.
(2) الموافقات 2 / 123.

الصفحة 221