كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)
التَّوْسِيعُ فِي الْوَاجِبَاتِ مِنْ حَيْثُ الزَّمَانُ، كَصَلَوَاتِ الْفَرَائِصِ، فَإِنَّ فِعْلَهَا لاَ يَسْتَغْرِقُ إِلاَّ جُزْءًا يَسِيرًا مِنْ وَقْتِهَا، فَيَكُونُ لَدَى الْمُكَلَّفِ الْفُرْصَةُ لأَِدَائِهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي لاَ يَشُقُّ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا يَجِبُ عَلَى التَّرَاخِي.
وَمِنْهَا التَّخْيِيرُ فِي الأَْدَاءِ بَيْنَ أُمُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ، فَهُوَ أَيْسَرُ مِنْ أَدَاءِ شَيْءٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ.
وَمِنَ التَّيْسِيرِ أَيْضًا مَا يَقْبَل التَّدَاخُل مِنَ الْوَاجِبَاتِ، فَمِنْ ذَلِكَ الْعُمْرَةُ تَدْخُل فِي الْحَجِّ لِمَنْ قَرَنَ (1) .
وَمَوَاضِعُ الْيُسْرِ فِي الشَّرِيعَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، وَمَا ذُكِرَ إِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيل التَّمْثِيل لاَ الْحَصْرِ. وَيُنْظَرُ: (تَخْيِيرٌ، وَتَدَاخُلٌ، وَتَرَاخِي) .
الشُّعْبَةُ الثَّانِيَةُ: الْيُسْرُ التَّخْفِيفِيُّ:
29 - وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَرِدَ التَّكْلِيفُ الْعَامُّ بِمَا مَشَقَّتُهُ فِي الأَْصْل مُعْتَادَةٌ، وَلَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّخْفِيفِ بَعْضُ الصُّوَرِ الَّتِي فِيهَا مَشَقَّةٌ فَوْقَ الْمُعْتَادِ.
حُكْمُ الأَْخْذِ بِالتَّخْفِيفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ:
30 - التَّثْقِيل الَّذِي يَعْتَرِي الْمُكَلَّفَ فِي عِبَادَاتِهِ أَوْ مُعَامَلاَتِهِ، يُقَابِلُهُ تَخْفِيفٌ مِنْ قِبَل الشَّرْعِ.
وَالتَّخْفِيفُ حُكْمٌ طَارِئٌ عَلَى الأَْصْل، رُوعِيَ فِي تَشْرِيعِهِ ضَرُورَاتُ الْعِبَادِ وَأَعْذَارُهُمْ، فَكَانَ ذَلِكَ فُسْحَةً لَهُمْ فِي مُقَابَلَةِ التَّضْيِيقِ، بِحُصُول الْجَوَازِ لِلْفِعْل أَوِ التَّرْكِ.
__________
(1) قواعد الأحكام 1 / 26 وما بعدها و1 / 206 - 211.
وَالتَّخْفِيفُ قَدْ يُوجِبُ الشَّارِعُ عَلَى الْمُكَلَّفِ الأَْخْذَ بِهِ، وَقَدْ يَجْعَلُهُ مَنْدُوبًا فِي حَقِّهِ، وَقَدْ يَجْعَل الأَْخْذَ بِهِ خِلاَفَ الأَْوْلَى كَالْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ، وَقَدْ يُبِيحُهُ لَهُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِهِ أَوْ يَتْرُكَهُ عَلَى السَّوَاءِ.
وَمِنَ التَّخْفِيفِ الَّذِي يُنْدَبُ الأَْخْذُ بِهِ، قَصْرُ الصَّلاَةِ فِي السَّفَرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} (1) وَبَعْضُ الْفُقَهَاءِ يُوجِبُ الْقَصْرَ عَلَى الْمُسَافِرِ. وَيُنْدَبُ الإِْفْطَارُ فِي السَّفَرِ وَالْمَرَضِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (2) .
وَمِنَ التَّخْفِيفِ الَّذِي هُوَ مَكْرُوهٌ، أَوْ خِلاَفُ الأَْوْلَى، الْفِطْرُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ إِذَا لَمْ يُجْهِدْهُ الصَّوْمُ، وَكَذَا الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلاَتَيْنِ، وَمِنْهُ التَّيَمُّمُ لِمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ يُبَاعُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْل وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الثَّمَنِ. وَفِي بَعْضِ هَذِهِ الصُّوَرِ خِلاَفٌ فِي حُكْمِهَا، فَيُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي أَبْوَابِهَا.
وَمِنَ التَّخْفِيفِ الْمُبَاحِ مَا رُخِّصَ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الْمُعَامَلاَتِ كَبَيْعِ السَّلَمِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ قَدْ رَخَّصَ فِيهِ عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل؛ إِذِ الأَْصْل مَنْعُهُ، لَكِنْ رَخَّصَ فِيهِ تَخْفِيفًا عَلَى النَّاسِ فِي مُعَامَلاَتِهِمْ، وَكَذَا الْمُسَاقَاةُ، وَالْقِرَاضُ، وَبَيْعُ
__________
(1) سورة النساء / 101.
(2) سورة البقرة / 184.
الصفحة 226