كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)
الآْخِرَةِ يُعْذَرُ النَّاسِي وَيُرْفَعُ عَنْهُ الإِْثْمُ مُطْلَقًا (1) .
فَالنِّسْيَانُ - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ السُّيُوطِيّ -: مُسْقِطٌ لِلإِْثْمِ مُطْلَقًا. وَذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
وَيَقُول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (2) .
أَمَّا النِّسْيَانُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الْعِبَادِ فَلاَ يُعَدُّ عُذْرًا مُخَفِّفًا؛ لأَِنَّ حَقَّ اللَّهِ مَبْنَاهُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُشَاحَّةِ وَالْمُطَالَبَةِ، فَلاَ يَكُونُ النِّسْيَانُ عُذْرًا فِيهَا (3) .
السَّبَبُ الْخَامِسُ: الْجَهْل:
36 - الْجَهْل عَدَمُ الْعِلْمِ بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أَوْ بِأَسْبَابِهَا.
وَالْجَهْل عُذْرٌ مُخَفِّفٌ فِي أَحْكَامِ الآْخِرَةِ اتِّفَاقًا، فَلاَ إِثْمَ عَلَى مَنْ فَعَل الْمُحَرَّمَ أَوْ تَرَكَ الْوَاجِبَ جَاهِلاً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} (4) .
أَمَّا فِي الْحُكْمِ فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي النِّسْيَانِ، إِنْ وَقَعَ
__________
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي ص206.
(2) الأشباه والنظائر ص206 وحديث: " تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. . . . " أخرجه ابن ماجه (1 / 659 - ط عيسى الحلبي) والحاكم (2 / 198 - ط دار الكتاب العربي) وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) . ووافقه الذهبي.
(3) الموافقات للشاطبي 1 / 103، وتيسير التحرير 2 / 426.
(4) سورة الإسراء / 15.
الْجَهْل فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ بِتَرْكِ مَأْمُورٍ لَمْ يَسْقُطْ بَل يَجِبُ تَدَارُكُهُ، وَلاَ يَحْصُل الثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ تَدَارُكٍ، أَوْ وَقَعَ فِي فِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الإِْتْلاَفِ فَلاَ شَيْءَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ إِتْلاَفٌ لَمْ يَسْقُطِ الضَّمَانُ، كَمَا فِي قَتْل صَيْدِ الْحَرَمِ أَوْ قَطْعِ شَجَرِهِ. وَإِنْ كَانَ الْجَهْل فِي فِعْل مَا فِيهِ عُقُوبَةٌ كَانَ شُبْهَةً فِي إِسْقَاطِهَا، وَلاَ يُؤَثِّرُ الْجَهْل فِي إِسْقَاطِ حُقُوقِ الْعِبَادِ.
وَلَيْسَ كُل أَحَدٍ يُقْبَل مِنْهُ دَعْوَى الْجَهْل بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَالْقَاعِدَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ جَهِل تَحْرِيمَ شَيْءٍ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِي الْعِلْمِ بِهِ غَالِبُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُقْبَل، مَا لَمْ يَكُنْ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالإِْسْلاَمِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ يَخْفَى فِيهَا مِثْل ذَلِكَ، كَتَحْرِيمِ الزِّنَى، وَالسَّرِقَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْكَلاَمِ فِي الصَّلاَةِ، وَالأَْكْل فِي الصَّوْمِ.
وَقَدْ يَكُونُ الْجَهْل فِيمَا يَخْفَى حُكْمُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْعَامِّيِّ دُونَ الْعَالِمِ، فَتُقْبَل فِيهِ دَعْوَى الْجَهْل مِنَ الأَْوَّل دُونَ الثَّانِي، كَكَوْنِ الْقَدْرِ الَّذِي أَتَى بِهِ مِنَ الْكَلاَمِ مُفْسِدًا لِلصَّلاَةِ، أَوْ كَوْنِ النَّوْعِ الَّذِي دَخَل جَوْفَهُ مُفْسِدًا لِلصَّوْمِ، فَالأَْصَحُّ فِيمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ عَدَمُ الْبُطْلاَنِ.
وَلاَ تُقْبَل دَعْوَى الْجَهْل بِالأَْخْذِ بِالشُّفْعَةِ مِنْ قَدِيمِ الإِْسْلاَمِ لاِشْتِهَارِهِ، وَتُقْبَل فِي نَفْيِ الْوَلَدِ لأَِنَّهُ لاَ يَعْرِفُهُ إِلاَّ الْخَوَاصُّ (1) .
وَكُل مَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ شَيْءٍ وَجَهِل مَا يَتَرَتَّبُ
__________
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي ص200، 201.
الصفحة 230