كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)
عَلَيْهِ لَمْ يُفِدْهُ ذَلِكَ، كَمَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الزِّنَى وَالْخَمْرِ وَجَهِل وُجُوبَ الْحَدِّ، فَإِنَّهُ يُحَدُّ بِالاِتِّفَاقِ، وَكَمَنْ عَلِمَ تَحْرِيمَ الطِّيبِ فِي الإِْحْرَامِ وَجَهِل وُجُوبَ الْفِدْيَةِ فِيهِ، فَتَجِبُ الْفِدْيَةُ (1) .
السَّبَبُ السَّادِسُ: الْخَطَأُ:
37 - الْخَطَأُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْفِعْل أَوْ فِي الْقَصْدِ. فَكُل مَنْ أَخْطَأَ فِي فِعْلِهِ: كَمَنْ يَرْمِي صَيْدًا فَيُصِيبُ إِنْسَانًا، أَوْ فِي قَصْدِهِ: كَمَنْ يَرْمِي شَخْصًا يَظُنُّهُ غَيْرَ مَعْصُومِ الدَّمِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ. وَكَمَنْ اجْتَهَدَ فِي التَّعَرُّفِ عَلَى الْقِبْلَةِ فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهَا خِلاَفُهَا. وَالْخَطَأُ بِنَوْعَيْهِ مِنَ الأَْسْبَابِ الْمُخَفِّفَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} (2) .
وَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (3) . وَلَيْسَ الْخَطَأُ مُسْقِطًا حُقُوقَ الْعِبَادِ، فَلَوْ أَتْلَفَ مَال غَيْرِهِ خَطَأً فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ.
وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ مُخَفِّفًا فِي الْجِنَايَاتِ، دَارِئًا لِلْحُدُودِ، فَيُخَفِّفُ عَنِ الْقَاتِل خَطَأً مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الدِّيَةِ، وَيَدْرَأُ الْحَدَّ عَنِ الْوَاطِئِ غَيْرَ زَوْجَتِهِ خَطَأً.
__________
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي ص201.
(2) سورة الأحزاب / 5.
(3) أحكام القرآن للجصاص 3 / 354.
أَمَّا حُقُوقُ اللَّهِ فَيَسْقُطُ الإِْثْمُ، وَقَدْ تَسْقُطُ مُطَالَبَةُ الشَّارِعِ بِإِعَادَةِ الْعِبَادَةِ مَرَّةً أُخْرَى.
هَذَا وَإِنَّ قَوَاعِدَ التَّخْفِيفِ الْمَذْكُورَةَ فِي أَبْوَابِ النِّسْيَانِ وَالْجَهْل وَالْخَطَأِ هِيَ قَوَاعِدُ غَالِبِيَّةٌ يَقَعُ فِيهَا كَثِيرٌ مِنَ الاِسْتِثْنَاءَاتِ، وَقَدْ حَاوَل بَعْضُ أَصْحَابِ كُتُبِ الأَْشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ، وَكُتُبِ الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، حَصْرَهَا فَيُرْجَعُ إِلَيْهَا هُنَاكَ (1) . وَانْظُرْ أَيْضًا (نِسْيَانٌ. جَهْلٌ. خَطَأٌ) .
السَّبَبُ السَّابِعُ: الْعُسْرُ وَعُمُومُ الْبَلْوَى:
38 - يَدْخُل فِيهِ الأَْعْذَارُ الْغَالِبَةُ الَّتِي تَكْثُرُ الْبَلْوَى بِهَا وَتَعُمُّ فِي النَّاسِ، دُونَ مَا كَانَ مِنْهَا نَادِرًا، وَذَلِكَ أَنَّ الشَّرْعَ فَرَّقَ فِي الأَْعْذَارِ بَيْنَ غَالِبِهَا وَنَادِرِهَا، فَعَفَا عَنْ غَالِبِهَا لِمَا فِي اجْتِنَابِهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ الْغَالِبَةِ. وَإِنَّمَا تَكُونُ غَالِبَةً لِتَكَرُّرِهَا، وَكَثْرَتِهَا وَشُيُوعِهَا فِي النَّاسِ، بِخِلاَفِ مَا كَانَ مِنْهَا نَادِرًا فَالأَْكْثَرُ أَنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهِ، وَلاَ يَكُونُ عُذْرًا لاِنْتِفَاءِ الْمَشَقَّةِ غَالِبًا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ عُسْرٌ كَمَشَقَّةِ الاِحْتِرَازِ عَمَّا لاَ يُدْرِكُهُ الطَّرَفُ مِنْ رَشَاشِ الْبَوْل فَيُعْفَى عَنْهُ أَيْضًا. وَمَثَّل الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ بِمَنْ أَتَى بِمَحْظُورِ الصَّلاَةِ نِسْيَانًا، فَإِنَّهُ إِنْ قَصُرَ زَمَانُهُ يُعْفَى عَنْهُ اتِّفَاقًا لِعُمُومِ الْبَلْوَى، وَإِنْ طَال زَمَانُهُ فَفِيهِ مَذْهَبَانِ: أَحَدُهُمَا: يُعْفَى عَنْهُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَنْتَهِكِ الْحُرْمَةَ، وَالآْخَرُ: لاَ يُعْفَى عَنْهُ لأَِنَّهُ نَادِرٌ (2) .
__________
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي ص541.
(2) قواعد الأحكام 2 / 3.
الصفحة 231