كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)
السَّبَبُ التَّاسِعُ: الْوَسْوَسَةُ:
40 - الْمُوَسْوِسُ هُوَ مَنْ يَشُكُّ فِي الْعِبَادَةِ وَيَكْثُرُ مِنْهُ الشَّكُّ فِيهَا حَتَّى يَشُكَّ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَل الشَّيْءَ وَهُوَ قَدْ فَعَلَهُ. وَالشَّكُّ فِي الأَْصْل مُوجِبٌ لِلْعَوْدِ لِمَا شَكَّ فِي تَرْكِهِ، كَمَنْ رَفَعَ رَأْسَهُ وَشَكَّ هَل رَكَعَ أَمْ لاَ، فَإِنَّ عَلَيْهِ الرُّكُوعَ؛ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ مَا شَكَّ فِيهِ، وَلْيَبْنِ عَلَى الْيَقِينِ (1) . وَمَنْ شَكَّ أَنَّهُ صَلَّى ثَلاَثًا أَوْ أَرْبَعًا جَعَلَهَا ثَلاَثًا وَأَتَى بِوَاحِدَةٍ وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. لَكِنْ إِنْ كَانَ مُوَسْوِسًا فَلاَ يَلْتَفِتُ لِلْوَسْوَاسِ لأَِنَّهُ يَقَعُ فِي الْحَرَجِ، وَالْحَرَجُ مَنْفِيٌّ فِي الشَّرِيعَةِ، بَل يَمْضِي عَلَى مَا غَلَبَ فِي نَفْسِهِ. تَخْفِيفًا عَنْهُ وَقَطْعًا لِلْوَسْوَاسِ (2) . قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَالاِحْتِيَاطُ حَسَنٌ مَا لَمْ يُفِضْ بِصَاحِبِهِ إِلَى مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، فَإِذَا أَفْضَى إِلَى ذَلِكَ فَالاِحْتِيَاطُ تَرْكُ هَذَا الاِحْتِيَاطِ (3) .
السَّبَبُ الْعَاشِرُ: التَّرْغِيبُ فِي الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ وَحَدَاثَةُ الدُّخُول فِيهِ:
41 - وَهَذَا سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ التَّيْسِيرِ يُعْلَمُ بِتَتَبُّعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ، وَمِمَّا شُرِعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الدَّاخِل فِي الإِْسْلاَمِ يُعْذَرُ بِالْجَهْل بِالتَّحْرِيمِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً تَمْنَعُ ثُبُوتَ الْحُدُودِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي السَّبَبِ الْخَامِسِ.
وَمِنْهُ سُقُوطُ الْعِبَادَاتِ وَسَائِرِ حُقُوقِ اللَّهِ
__________
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي ص55.
(2) المغني 1 / 501، 2 / 502.
(3) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم 1 / 183.
تَعَالَى السَّابِقَةِ عَلَى الإِْسْلاَمِ، فَلاَ يُطَالَبُ بِقَضَائِهَا: حَتَّى عَلَى قَوْل مَنْ يَرَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ؛ تَرْغِيبًا لَهُمْ فِي الإِْسْلاَمِ؛ وَلِئَلاَّ تَكُونَ مَشَقَّةُ الْقَضَاءِ حَائِلاً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الإِْسْلاَمِ (1) .
وَمِنْهُ إِعْطَاءُ الزَّكَاةِ لِلْكَافِرِ الَّذِي يُرْجَى إِسْلاَمُهُ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الإِْسْلاَمِ لِتَمِيل إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَإِعْطَاءُ مَنْ أَسْلَمَ حَدِيثًا إِذَا كَانَ فِي إِعْطَائِهِ قُوَّةٌ لِلإِْسْلاَمِ، أَوْ تَرْغِيبٌ لِنُظَرَائِهِ لِيُسْلِمُوا (2) .
وَمِنْهُ تَوْرِيثُ الْكَافِرِ مِنْ قَرِيبِهِ الْمُسْلِمِ إِنْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ قَبْل قِسْمَةِ التَّرِكَةِ، عَلَى قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ انْفَرَدُوا بِهِ؛ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الدُّخُول فِي الإِْسْلاَمِ (3) .
الْمَشَاقُّ الْمُوجِبَةُ لِلتَّيْسِيرِ:
42 - الْمَشَاقُّ عَلَى قِسْمَيْنِ: مَشَاقَّ لاَ يَنْفَكُّ عَنْهَا التَّكْلِيفُ غَالِبًا كَمَشَقَّةِ الْبَرْدِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، وَمَشَقَّةِ الصَّوْمِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَطُول النَّهَارِ، وَمَشَقَّةِ السَّفَرِ الَّتِي لاَ انْفِكَاكَ لِلْحَجِّ وَالْجِهَادِ عَنْهَا غَالِبًا، وَمَشَقَّةِ أَلَمِ الْحُدُودِ كَرَجْمِ الزُّنَاةِ، وَقَتْل الْجُنَاةِ، وَقِتَال الْبُغَاةِ، فَلاَ أَثَرَ لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمَشَقَّاتِ فِي إِسْقَاطِ حَقِّ اللَّهِ الْوَاجِبِ، فِي كُل الأَْوْقَاتِ، أَيْ: لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَهُ
__________
(1) الفروق للقرافي 3 / 184، 185.
(2) المغني 6 / 428.
(3) المغني 6 / 300.
الصفحة 233