كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)

أَفْضَل مِنَ التَّشْدِيدِ عَلَى النَّفْسِ حِينًا وَالتَّرَاخِي حِينًا آخَرَ، فَقَال: أَحَبُّ الأَْعْمَال إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَل (1) .

ثَانِيًا: تَيْسِيرُ الإِْنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ فِي شُؤُونِ الدُّنْيَا:
52 - لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ أَنْ يُضَيِّقَ عَلَى نَفْسِهِ فِي شُؤُونِ حَيَاتِهِ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَظُنَّ أَنَّ التَّضْيِيقَ عَلَيْهَا مِنَ الزُّهْدِ، أَوْ أَنَّهُ يُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ، بَل إِذَا أَخَذَ الْمَال مِنْ حِلِّهِ وَأَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْحَلاَل، فِي مَأْكَلٍ أَوْ مَشْرَبٍ أَوْ مَسْكَنٍ فَإِنَّهُ يُؤْجَرُ عَلَى ذَلِكَ إِذَا كَانَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، كَمَا يُؤْجَرُ إِنْ زَادَ عَلَيْهِ بِقَصْدِ التَّقَوِّي عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ إِلَى حَدِّ السَّرَفِ وَالتَّرَفِ.
قَال اللَّهُ تَعَالَى: {قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُل هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (2) ، وَفِي الْحَدِيثِ: ابْدَأْ بِنَفْسِك فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَل شَيْءٌ فَلأَِهْلِك، فَإِنْ فَضَل عَنْ أَهْلِك شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِك، فَإِنْ فَضَل عَنْ ذِي قَرَابَتِك
__________
(1) الموافقات 2 / 136، 137 وحديث " أحب الأعمال. . . . . " أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 315 ط. السلفية) ، ومسلم (1 / 541 ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة.
(2) سورة الأعراف / 32.
شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا (1) .
وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمَال، وَقَدْ قَال سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ لأَِبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ وَلأَِهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُل ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَأَخْبَرَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَال: صَدَقَ سَلْمَانُ (2) وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا مِنْ فِقْهِ الرَّجُل رِفْقُهُ فِي مَعِيشَتِهِ. (3)
مَشَقَّةُ الْوَرَعِ وَاجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ:
53 - مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشُقُّ عَلَى نَفْسِهِ تَوَرُّعًا وَاتِّقَاءً لِلشُّبُهَاتِ وَالْتِزَامًا لِجَانِبِ التَّقْوَى، قَال الشَّاطِبِيُّ: (وَلاَ كَلاَمَ فِي أَنَّ الْوَرَعَ شَدِيدٌ فِي نَفْسِهِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ إِشْكَال فِي أَنَّ الْتِزَامَ جَانِبِ التَّقْوَى شَدِيدٌ (4)) وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ الْحَلاَل بَيِّنٌ
__________
(1) حديث: ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا ". أخرجه مسلم (2 / 292 - 293 ط عيسى الحلبي) .
(2) حديث: صدق سلمان ". أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 534 ط السلفية) .
(3) حديث: " من فقه الرجل رفقه في معيشته ". أخرجه أحمد (5 / 194 ط المكتب الإسلامي) وابن عدي في الكامل (3 / 1197 ط دار الفكر وضعفه. وقال الهيثمي: وفيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط، (مجمع الزوائد 4 / 74 ط دار الكتاب العربي) ، وضعفه المناوي في فيض القدير (6 / 16 ط المكتبة التجارية) .
(4) الموافقات 1 / 106، وانظر: إغاثة اللهفان لابن القيم 1 / 183.

الصفحة 240