كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)

ضَعُفَتْ دَابَّتُهُ كَانَ عَلَى الْقَوْمِ أَنْ يَسِيرُوا بِسَيْرِهِ.
وَذَكَرَ مِثْل ذَلِكَ فِي أَمِيرِ الْحَجِّ (1) .

تَيْسِيرُ الْمُعَلِّمِينَ، وَالدُّعَاةِ عَلَى الْمَدْعُوِّينَ، وَالرِّفْقُ بِهِمْ:
57 - يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَتَوَلَّى التَّعْلِيمَ أَوِ الدَّعْوَةَ أَنْ يَرْفُقَ بِمَنْ مَعَهُ، وَيَأْخُذَهُمْ بِاللِّينِ لاَ بِالْعُنْفِ.
وَلاَ يَأْتِيَ بِمَا يُنَفِّرُهُمْ عَنِ الْحَقِّ، بَل يَنْتَقِل بِهِمْ مِمَّا يَعْرِفُونَ إِلَى مَا لاَ يَعْرِفُونَ، بِلُطْفٍ وَيُسْرٍ، وَلاَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ. قَال النَّوَوِيُّ: " يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَاذِلاً وُسْعَهُ فِي تَفْهِيمِهِمْ، وَتَقْرِيبِ الْفَائِدَةِ إِلَى أَذْهَانِهِمْ، حَرِيصًا عَلَى هِدَايَتِهِمْ، وَيُفْهِمُ كُل وَاحِدٍ بِحَسَبِ فَهْمِهِ وَحِفْظِهِ، فَلاَ يُعْطِيهِ مَا لاَ يَحْتَمِلُهُ، وَلاَ يَقْصُرُ بِهِ عَمَّا يَحْتَمِلُهُ بِلاَ مَشَقَّةٍ، وَيُخَاطِبُ كُل وَاحِدٍ عَلَى قَدْرِ دَرَجَتِهِ، وَبِحَسَبِ فَهْمِهِ وَهِمَّتِهِ ".
وَيُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِقَوْل مُوسَى لِلْخَضِرِ:
{هَل أَتَّبِعُك عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} (2) ثُمَّ قَال: {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ
__________
(1) الأحكام السلطانية ص35، 108.
(2) سورة الكهف / 66.
وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا} (1) وَقَدْ أَرْسَل النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَا مُوسَى الأَْشْعَرِيَّ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ، وَكَانَ فِيمَا أَوْصَاهُمَا بِهِ أَنْ قَال: بَشِّرَا وَيَسِّرَا وَعَلِّمَا وَلاَ تُنَفِّرَا (2) وَقَال أَنَسٌ: قَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا (3) .

التَّيْسِيرُ فِي الْفُتْيَا:
58 - عَلَى الْمُفْتِي أَنْ يُرَاعِيَ أَحْوَال السَّائِلِينَ، فَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّحَرُّجُ وَالتَّشَدُّدُ، وَأَنْ يُحَمِّل نَفْسَهُ مَا يُرْهِقُهَا، يُفْتِي بِمَا فِيهِ التَّرْجِيَةُ، وَالتَّرْغِيبُ، وَالتَّرْخِيصُ، وَيُخْبِرُ بِمَا فِيهِ سِعَةٌ، وَأَنَّهُ يُجْزِئُهُ الْقَلِيل مِنَ الْعَمَل إِنْ كَانَ خَالِصًا صَوَابًا. وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ التَّهَاوُنُ، وَالتَّسَاهُل، وَالاِنْحِلاَل مِنَ الدِّينِ يُفْتِي بِمَا فِيهِ التَّرْهِيبُ، وَالتَّخْوِيفُ، وَالزَّجْرُ، فِعْل الطَّبِيبِ بِمَنِ انْحَرَفَتْ بِهِ الْعِلَّةُ عَنْ حَال الاِسْتِوَاءِ (4) . وَكُل ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَدِّل الْمُفْتِي حُكْمًا شَرْعِيًّا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، بَل تَكُونُ فُتْيَاهُ طِبْقًا لِمُقْتَضَى الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَأُصُول الْفُتْيَا، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي عِلْمِ
__________
(1) سورة الكهف / 73.
(2) حديث: " بشرا ويسرا ولا تنفرا. . . . . " أخرجه البيهقي (8 / 294 ط دار المعرفة) وأصله في الصحيحين.
(3) حديث: " يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا " أخرجه البخاري (فتح الباري 10 / 524 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1359 ط عيسى الحلبي) .
(4) الموافقات للشاطبي 2 / 166 - 168.

الصفحة 244