كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)

أُصُول الْفِقْهِ. وَقَال النَّوَوِيُّ: " إِنْ رَأَى الْمُفْتِي الْمَصْلَحَةَ أَنْ يُفْتِي الْعَامِّيُّ بِمَا فِيهِ تَغْلِيظٌ، وَهُوَ مِمَّا لاَ يَعْتَقِدُ ظَاهِرَهُ، وَلَهُ فِيهِ تَأْوِيلٌ، جَازَ ذَلِكَ، زَجْرًا لِلْعَامَّةِ؛ وَلِمَنْ قَل دِينُهُ وَمُرُوءَتُهُ (1) .
- فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْفُتْيَا بِمُقْتَضَى الدَّلِيل، بَل أَفْتَاهُ بِمَا فِيهِ الرُّخْصَةُ عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ، فَيَكُونُ التَّرْخِيصُ تَشَهِّيًا وَجَرْيًا مَعَ الْهَوَى، وَهُوَ مَمْنُوعٌ وَلَيْسَ اخْتِلاَفُ الْعُلَمَاءِ دَلِيلاً عَلَى جَوَازِ الأَْمْرِ عَلَى الْوُجُوهِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا.
قَال الشَّاطِبِيُّ: الْفَقِيهُ لاَ يَحِل لَهُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَعْضَ الأَْقْوَال بِمُجَرَّدِ التَّشَهِّي وَالأَْغْرَاضِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، وَلاَ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ أَحَدًا. وَالْمُقَلِّدُ فِي اخْتِلاَفِ الأَْقْوَال عَلَيْهِ مِثْل مَا عَلَى الْمُفْتِي (2) .
- هَذَا وَمِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى لَيْسَ لِلْمُفْتِي أَنْ يُفْتِيَ بِمَا فِيهِ حَرَجٌ وَشِدَّةٌ عَلَى الْمُسْتَفْتِي مَا دَامَ يَجِدُ لَهُ مَخْرَجًا شَرْعِيًّا صَحِيحًا. قَال الْجَصَّاصُ فِي أَحْكَامِهِ عِنْدَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَل عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} (3) قَال: لَمَّا كَانَ الْحَرَجُ الضِّيقُ، وَنَفَى اللَّهُ عَنْ نَفْسِهِ إِرَادَةَ الْحَرَجِ بِنَا، سَاغَ الاِسْتِدْلاَل بِظَاهِرِهِ فِي نَفْيِ الضِّيقِ
__________
(1) المجموع للنووي 1 / 50 نشر منير الدمشقي.
(2) الموافقات 4 / 140، 141، والفتاوى الكبرى الفقهية لابن حجر 4 / 304، والأحكام للقرافي ص271، وفتاوى ابن تيمية 20 / 220، 221، وشرح الإقناع للبهوتي 6 / 307.
(3) سورة المائدة / 6.
وَإِثْبَاتِ التَّوْسِعَةِ فِي كُل مَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ السَّمْعِيَّاتِ، فَيَكُونُ الْقَائِل بِمَا يُوجِبُ الْحَرَجَ وَالضِّيقَ مَحْجُوجًا بِظَاهِرِ الآْيَةِ، وَقَال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: " إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ الرُّخْصَةِ عَنْ ثِقَةٍ فَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحْسِنُهُ كُل أَحَدٍ (1) ".
- أَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْمُسْتَفْتِينَ جَارِيًا عَلَى التَّوَسُّطِ، فَإِنَّ فُتْيَاهُ تَكُونُ عَلَى التَّوَسُّطِ مِنْ غَيْرِ إِفْرَاطٍ وَلاَ تَسْهِيلٍ. وَالتَّوَسُّطُ هُوَ الأَْصْل فِي الشَّرِيعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ.

التَّيْسِيرُ فِي الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ:
الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ:
59 - أَرْشَد اللَّهُ تَعَالَى إِلَى تَسْهِيل أَمْرِ التَّزْوِيجِ وَلَوْ كَانَ الْخَاطِبُ فَقِيرًا، إِنْ كَانَ صَالِحًا، فَقَال تَعَالَى: {وَأَنْكِحُوا الأَْيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمِ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} (2) وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ يُمْنِ الْمَرْأَةِ تَيْسِيرَ خِطْبَتِهَا، وَتَيْسِيرَ صَدَاقِهَا (3) وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مُؤْنَةً (4) وَقَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ
__________
(1) أحكام القرآن 2 / 291، وصفة الفتوى لابن حمدان.
(2) سورة النور / 32.
(3) حديث: " إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها. . . . " أخرجه أحمد (6 / 77 ط المكتب الإسلامي) ، والحاكم (2 / 181 ط دار الكتاب العربي) . قال: " حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي ".
(4) حديث: " إن من أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة ". أخرجه البيهقي (7 / 235 ط دار المعرفة) ، والحاكم (2 / 178 دار الكتاب العربي) وقال: " صحيح على شرط مسلم "، وافقه الذهبي.

الصفحة 245