كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)

وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ مَشْرُوعٌ بَدَلاً عَنِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل فِي أَحْوَالٍ خَاصَّةٍ (1) .
3 - وَسَبَبُ نُزُول آيَةِ التَّيَمُّمِ هُوَ مَا وَقَعَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَالْمُسَمَّاةِ غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ لَمَّا أَضَلَّتْ عِقْدَهَا. فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَبِهِ فَحَانَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مَاءٌ، فَأَغْلَظَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى عَائِشَةَ وَقَال: حَبَسْتِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمِينَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْن حُضَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَجَعَل يَقُول: مَا أَكْثَر بَرَكَتَكُمْ يَا آل أَبِي بَكْرٍ (2) .

اخْتِصَاصُ هَذِهِ الأُْمَّةِ بِالتَّيَمُّمِ:
4 - التَّيَمُّمُ مِنَ الْخَصَائِصِ الَّتِي اخْتَصَّ اللَّهُ بِهَا هَذِهِ الأُْمَّةَ (3) ، فَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي. نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَل، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِل لأَِحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةُ،
__________
(1) كشاف القناع 1 / 160، ومغني المحتاج 1 / 87.
(2) حديث: " سبب نزول آية التيمم " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 431 - ط السلفية) (1 / 279 - ط الحلبي) .
(3) ابن عابدين 1 / 153 - 154، وكشاف القناع 1 / 160.
وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ فِي قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً (1) .
وَهَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ مِصْدَاقُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَل عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} (2) .

التَّيَمُّمُ رُخْصَةٌ:
5 - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ لِلْمُسَافِرِ وَالْمَرِيضِ، وَقَال الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّهُ عَزِيمَةٌ. وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي التَّيَمُّمِ لِلْمُسَافِرِ، فَظَاهِرُ قَوْل الرِّسَالَةِ: إِنَّهُ عَزِيمَةٌ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ جَمَاعَةَ: إِنَّهُ رُخْصَةٌ، وَقَال التَّادَلِيُّ: وَالْحَقُّ عِنْدِي أَنَّهُ عَزِيمَةٌ فِي حَقِّ الْعَادِمِ لِلْمَاءِ، رُخْصَةٌ فِي حَقِّ الْوَاجِدِ الْعَاجِزِ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ.
ثُمَّ إِنَّ وَجْهَ التَّرْخِيصِ هُوَ فِي أَدَاةِ التَّطْهِيرِ إِذِ اكْتَفَى بِالصَّعِيدِ الَّذِي هُوَ مُلَوَّثٌ، وَهُوَ أَيْضًا فِي مَحَل التَّطْهِيرِ لاِقْتِصَارِهِ عَلَى شَطْرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ.
وَمِنْ ثَمَرَةِ الْخِلاَفِ: مَا لَوْ تَيَمَّمَ فِي سَفَرِ مَعْصِيَةٍ لِفَقْدِ الْمَاءِ فَإِنْ قُلْنَا رُخْصَةٌ وَجَبَ الْقَضَاءُ وَإِلاَّ لَمْ يَجِبْ (3) .
__________
(1)) حديث: " أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي ". أخرجه البخاري (الفتح 1 / 436 - ط السلفية) ومسلم (1 / 370 - 371 - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله.
(2) سورة المائدة / 6.
(3) الشلبي على تبيين الحقائق 1 / 36، والحطاب 1 / 325، ومغني المحتاج 1 / 87، وكشاف القناع 1 / 161.

الصفحة 249