كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)

وَعَلَى هَذَا فَمَنْ فَعَل شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الطَّهَارَةِ بِالتَّيَمُّمِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ فِي غَيْرِ الأَْحْوَال الْمَذْكُورَةِ بَطَلَتْ عِبَادَتُهُ وَلَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ مِنْهَا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ - إِلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِخَوْفِ فَوْتِ صَلاَةِ جِنَازَةٍ - أَيْ: فَوْتِ جَمِيعِ تَكْبِيرَاتِهَا - أَمَّا إِذَا كَانَ يَرْجُو أَنْ يُدْرِكَ بَعْضَ تَكْبِيرَاتِهَا فَلاَ يَتَيَمَّمُ لأَِنَّهُ يُمْكِنُهُ أَدَاءُ الْبَاقِي وَحْدَهُ، سَوَاءٌ كَانَ بِلاَ وُضُوءٍ، أَوْ كَانَ جُنُبًا، أَوْ حَائِضًا، أَوْ نُفَسَاءَ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا عَلَى الْعَادَةِ. لَكِنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي الْحَائِضِ أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ دَمِهَا لأَِكْثَرِ الْحَيْضِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ الاِنْقِطَاعُ لِتَمَامِ الْعَادَةِ فَلاَ بُدَّ أَنْ تَصِيرَ الصَّلاَةُ دَيْنًا فِي ذِمَّتِهَا، أَوْ تَغْتَسِل، أَوْ يَكُونَ تَيَمُّمُهَا كَامِلاً بِأَنْ يَكُونَ عِنْدَ فَقْدِ الْمَاءِ.
وَلَوْ جِيءَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى إِنْ أَمْكَنَهُ التَّوَضُّؤُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ زَال تَمَكُّنُهُ أَعَادَ التَّيَمُّمَ وَإِلاَّ لاَ يُعِيدُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُعِيدُ عَلَى كُل حَالٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وَلِيِّ الْمَيِّتِ، هَل يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ لأَِنَّ لَهُ حَقَّ التَّقَدُّمِ، أَوْ يَنْتَظِرُ لأَِنَّ لَهُ حَقَّ الإِْعَادَةِ وَلَوْ صَلَّوْا؟ فِيهِ خِلاَفٌ فِي النَّقْل عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ أَيْضًا لِخَوْفِ فَوْتِ صَلاَةِ الْعِيدِ بِفَرَاغِ إِمَامٍ، أَوْ زَوَال شَمْسٍ وَلَوْ بِنَاءً عَلَى صَلاَتِهِ بَعْدَ شُرُوعِهِ مُتَوَضِّئًا وَسَبَقَ حَدَثُهُ فَيَتَيَمَّمُ لإِِكْمَال صَلاَتِهِ، بِلاَ فَرْقٍ بَيْنَ كَوْنِهِ إِمَامًا أَوْ
مَأْمُومًا فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ الْمَنَاطَ خَوْفُ الْفَوْتِ لاَ إِلَى بَدَلٍ.
وَكَذَا كُل صَلاَةٍ غَيْرِ مَفْرُوضَةٍ خَافَ فَوْتَهَا كَكُسُوفٍ وَخُسُوفٍ، وَسُنَنِ رَوَاتِبَ وَلَوْ سُنَّةَ فَجْرٍ خَافَ فَوْتَهَا وَحْدَهَا؛ لأَِنَّهَا تَفُوتُ لاَ إِلَى بَدَلٍ، وَهَذَا عَلَى قِيَاسِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، أَمَّا عَلَى قِيَاسِ مُحَمَّدٍ فَلاَ يَتَيَمَّمُ لَهَا؛ لأَِنَّهَا إِذَا فَاتَتْهُ لاِشْتِغَالِهِ بِالْفَرِيضَةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ يَقْضِيهَا بَعْدَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا لاَ يَقْضِيهَا، وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ لِكُل مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الطَّهَارَةُ، وَلاَ تُشْتَرَطُ كَنَوْمٍ وَسَلاَمٍ وَرَدِّ سَلاَمٍ؛ وَلِدُخُول مَسْجِدٍ وَالنَّوْمِ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ تَجُزْ بِهِ الصَّلاَةُ.
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ التَّيَمُّمَ لِمَا لاَ تُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ أَصْلاً مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ إِلاَّ إِذَا كَانَ مِمَّا يَخَافُ فَوْتَهُ لاَ إِلَى بَدَلٍ، فَلَوْ تَيَمَّمَ الْمُحْدِثُ لِلنَّوْمِ، أَوْ لِدُخُول الْمَسْجِدِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْمَاءِ فَهُوَ لَغْوٌ، بِخِلاَفِ تَيَمُّمِهِ لِرَدِّ السَّلاَمِ مَثَلاً لأَِنَّهُ يَخَافُ فَوْتَهُ لأَِنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ؛ وَلِذَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (1) . قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ.
وَلَمْ نَجِدْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ذِكْرًا عِنْدَ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ.
__________
(1) حديث: " تيمم النبي صلى الله عليه وسلم لرد السلام ". أخرجه أبو داود (1 / 234 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وضعفه ابن حجر في التلخيص (1 / 151 - ط شركة الطباعة الفنية) .

الصفحة 272