كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 14)
وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِصَوَابٍ إحْسَانًا لِلظَّنِّ بِهِمْ وَحَمْلاً لَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى الاِجْتِهَادِ الْمَأْجُورِ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمْ.
وَقَال الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ: لَسْنَا نَعْنِي بِقَوْلِنَا: الصَّحَابَةُ عُدُولٌ " كُل مَنْ رَآهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مَا أَوْ زَارَهُ لِمَامًا، أَوِ اجْتَمَعَ بِهِ لِغَرَضٍ وَانْصَرَفَ، وَإِنَّمَا نَعْنِي بِهِ الَّذِينَ لاَزَمُوهُ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ. قَال الْعَلاَئِيُّ: وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ يُخْرِجُ كَثِيرًا مِنَ الْمَشْهُورِينَ بِالصُّحْبَةِ وَالرِّوَايَةِ عَنِ الْحُكْمِ بِالْعَدَالَةِ، كَوَائِل بْنِ حُجْرٍ، وَمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ وَفَدَ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُقِمْ عِنْدَهُ إلاَّ قَلِيلاً وَانْصَرَفَ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ إلاَّ بِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ وَمَنْ لَمْ يُعْرَفْ مِقْدَارُ إقَامَتِهِ مِنْ أَعْرَابِ الْقَبَائِل، وَالْقَوْل بِالتَّعْمِيمِ هُوَ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَهُوَ الْمُعْتَبَرُ (1) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلاَتٌ أُخْرَى تُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
وَقَال ابْنُ حَمْدَانَ الْحَنْبَلِيُّ: يَجِبُ حُبُّ كُل الصَّحَابَةِ، وَالْكَفُّ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ - كِتَابَةً، وَقِرَاءَةً، وَإِقْرَاءً، وَسَمَاعًا، وَتَسْمِيعًا - وَيَجِبُ ذِكْرُ مَحَاسِنِهِمْ، وَالتَّرَضِّي عَنْهُمْ، وَالْمَحَبَّةُ لَهُمْ، وَتَرْكُ التَّحَامُل عَلَيْهِمْ، وَاعْتِقَادُ الْعُذْرِ لَهُمْ، وَأَنَّهُمْ إنَّمَا فَعَلُوا مَا فَعَلُوا بِاجْتِهَادٍ سَائِغٍ لاَ يُوجِبُ كُفْرًا
__________
(1) تدريب الراوي ص400 - 401 ط المكتبة العلمية.
وَلاَ فِسْقًا، بَل رُبَّمَا يُثَابُونَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ اجْتِهَادٌ سَائِغٌ (1) .
13 - وَسَبُّ آل بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَزْوَاجِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَتَنَقُّصُهُمْ حَرَامٌ. قَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لاَ تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي، فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ يُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ (2) .
وَقَال السُّبْكِيُّ وَالزَّرْكَشِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ:
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخِلاَفُ فِيمَا إذَا سَبَّهُ لأَِمْرٍ خَاصٍّ بِهِ. أَمَّا لَوْ سَبَّهُ لِكَوْنِهِ صَحَابِيًّا فَيَنْبَغِي الْقَطْعُ بِتَكْفِيرِهِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ الصُّحْبَةِ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي كُفْرِ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ، وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ تَكْفِيرُ مَنْ سَبَّ الشَّيْخَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ عَلَى خِلاَفِهِ (3) .
__________
(1) لوامع الأنوار 2 / 387.
(2) الشفا 2 / 1106، ولوامع الأنوار 2 / 389، الجامع لابن أبي زيد 112 - دار الغرب. وحديث " الله الله في أصحابي. . . . " أخرجه الترمذي (5 / 696 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه وقال: " هذا حديث غريب من هذا الوجه " وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وهو ضعيف كما في الميزان للذهبي (2 / 561 - 563 ط الحلبي) .
(3) ابن عابدين 3 / 293، والشفا 2 / 1106، والصارم المسلول 567، والأعلام 49.
الصفحة 60