كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 15)

وَأَمَّا اسْتِيفَاءُ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعُوهُ مِنَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ إِذَا تَوَلَّى الذِّمِّيُّ بَيْعَهَا. (1)
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
1 - مَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ - بِسَنَدِهِ - عَنْ سُوَيْدٌ بْنِ غَفَلَةَ قَال: " بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ نَاسًا يَأْخُذُونَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْخَنَازِيرِ، وَقَامَ بِلاَلٌ فَقَال: إِنَّهُمْ لَيَفْعَلُونَ، فَقَال عُمَرُ: لاَ تَفْعَلُوا: وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا
وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ بِلاَلاً قَال لِعُمَرِ بْنَ الْخَطَّابِ: إِنَّ عُمَّالَكَ يَأْخُذُونَ الْخَمْرَ وَالْخَنَازِيرَ فِي الْخَرَاجِ، فَقَال: لاَ تَأْخُذُوا مِنْهُمْ، وَلَكِنْ وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا، وَخُذُوا أَنْتُمْ مِنَ الثَّمَنِ.
قَال أَبُو عُبَيْدٍ: " يُرِيدُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مِنْ جِزْيَةِ رُءُوسِهِمْ وَخَرَاجِ أَرْضِهِمْ بِقِيمَتِهَا ثُمَّ يَتَوَلَّى الْمُسْلِمُونَ بَيْعَهَا، فَهَذَا الَّذِي أَنْكَرَهُ بِلاَلٌ، وَنَهَى عَنْهُ عُمَرُ، ثُمَّ رَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْ أَثْمَانِهَا إِذَا كَانَ أَهْل الذِّمَّةِ هُمُ الْمُتَوَلِّينَ لِبَيْعِهَا؛
__________
(1) الخراج لأبي يوسف ص 122، وكتاب السير لمحمد بن الحسن ص 263، أحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 61، والمغني 8 / 521.
لأَِنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ مِنْ أَمْوَال أَهْل الذِّمَّةِ وَلاَ تَكُونُ مَالاً لِلْمُسْلِمِينَ ". (1)
2 - وَلأَِنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ مَالٌ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي نُقِرُّهُمْ عَلَى اقْتِنَائِهَا، وَالتَّصَرُّفِ فِيهَا، فَجَازَ أَخْذُ أَثْمَانِهَا مِنْهُمْ كَثِيَابِهِمْ (2) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْجِزْيَةِ مِنْ ثَمَنِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ (3) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
1 - رَوَى الْبَيْهَقِيُّ - بِسَنَدِهِ - إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: إِنَّ اللَّهَ جَل ثَنَاؤُهُ حَرَّمَ الْخَمْرَ وَثَمَنَهَا وَحَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ وَثَمَنَهُ (4) .
2 - وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَال: " إِنَّ اللَّهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ أَكْل شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ (5) .
__________
(1) الأموال لأبي عبيد ص 70.
(2) المغني 8 / 521.
(3) مغني المحتاج 4 / 253.
(4) حديث: " إن الله جل ثناؤه حرم الخمر وثمنها. . . " أخرجه أبو داود (3 / 756 - ط عزت عبيد الدعاس) والبيهقي (6 / 12 - ط دار المعرفة) . والدارقطني (3 / 7 - ط دار المحاسن) من حديث أبي هريرة. وحسن إسناده الأرناؤوط (جامع الأصول 1 / 450 - ط مكتبة دار البيان) . وله شواهد ذكرها الهيثمي في مجموع الزوائد (87 - 88 - ط دار الكتاب العربي) .
(5) حديث: " إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه " أخرجه أحمد (1 / 236 - ط دار المعارف) من حديث ابن عباس وصحح إسناده أحمد شاكر.

الصفحة 195