كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 15)

الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَسْقُطُ عَمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْل أَوْ بَعْدَهُ، وَلَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ. (1)
وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا يَلِي:
1 - قَوْله تَعَالَى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآْخِرِ} (2)
تَدُل هَذِهِ الآْيَةُ عَلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ أَسْلَمَ؛ لأَِنَّ الأَْمْرَ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِمَّنْ يَجِبُ قِتَالُهُ عَلَى الْكُفْرِ إِنْ لَمْ يُؤَدِّهَا، وَمَتَى أَسْلَمَ لَمْ يَجِبْ قِتَالُهُ، فَلاَ جِزْيَةَ عَلَيْهِ.
2 - قَوْله تَعَالَى: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَْوَّلِينَ} (3)
فَالآْيَةُ تَدُل عَلَى أَنَّ الإِْسْلاَمَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ،
__________
(1) تبيين الحقائق 3 / 278، والهداية 2 / 161، وفتح القدير 5 / 295، وبدائع الصنائع 9 / 4332، وحاشية ابن عابدين 4 / 200، ومجمع الأنهر 1 / 672، والاختيار 4 / 138، وبداية المجتهد 1 / 405، والقوانين الفقهية ص 176، وحاشية الدسوقي 2 / 202، والكافي لابن عبد البر 1 / 479، والمقدمات على هامش المدونة لابن رشد 1 / 400، والمنتقى للباجي 2 / 175، والمبدع 3 / 412، وأحكام أهل الذمة لابن القيم 1 / 57، وكشاف القناع 3 / 122، والإنصاف 4 / 228، والمذهب الأحمد ص 210.
(2) سورة التوبة / 29.
(3) سورة الأنفال / 38.
وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ لاَ يُطَالَبُ بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ مِنْ صَلاَةٍ أَوْ زَكَاةٍ، وَكَذَا لاَ يُطَالَبُ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ جِزْيَةٍ قَبْل إِسْلاَمِهِ (1) . قَال مَالِكٌ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ عَنْهُ: " الصَّوَابُ عِنْدِي أَنْ يُوضَعَ عَمَّنْ أَسْلَمَ الْجِزْيَةُ حِينَ يُسْلِمُ، وَلَوْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنَ السَّنَةِ إِلاَّ يَوْمٌ وَاحِدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا. . .} يَعْنِي مَا قَدْ مَضَى قَبْل الإِْسْلاَمِ مِنْ دَمٍ أَوْ مَالٍ أَوْ شَيْءٍ ". (2)
3 - وَيُرْوَى فِي ذَلِكَ بَعْضُ الآْثَارِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. (3)
4 - وَاسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُول مِنْ وَجْهَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ وَسِيلَةً إِلَى الإِْسْلاَمِ، فَلاَ تَبْقَى بَعْدَ الإِْسْلاَمِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْجِزْيَةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْكُفْرِ، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ جِزْيَةً: أَيْ جَزَاءَ الإِْقَامَةِ عَلَى الْكُفْرِ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ بِالإِْسْلاَمِ. (4)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ
__________
(1) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص 114.
(2) اختلاف الفقهاء للطبري ص 201.
(3) أحكام القرآن للجصاص 3 / 101، والأموال لأبي عبيد ص 66 - 68، والأموال لابن زنجويه 1 / 173، والموطأ بشرح السيوطي 1 / 265.
(4) بدائع الصنائع 9 / 4332، وأحكام القرآن للجصاص 3 / 101، وفتح القدير 5 / 296، والاختيار 4 / 138، والمنتقى 2 / 176.

الصفحة 200