كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 17)

وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَمَالِكٍ أَنَّ الْبُدَاءَةَ فِي الطَّوَافِ مِنَ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ سُنَّةٌ، وَلَوْ بَدَأَ الطَّوَافَ مِنْ مَكَانٍ غَيْرِ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ بِدُونِ عُذْرٍ أَجْزَأَهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (1) } مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ الاِبْتِدَاءِ بِالْحَجَرِ الأَْسْوَدِ (2) .

اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ وَتَقْبِيلُهُ فِي الزِّحَامِ:
4 - إِذَا كَانَ فِي الطَّوَافِ زِحَامٌ وَخَشِيَ الطَّائِفُ إِيذَاءَ النَّاسِ فَالأَْوْلَى أَنْ يَتْرُكَ تَقْبِيل الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ وَاسْتِلاَمَهُ، لأَِنَّ اسْتِلاَمَ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ سُنَّةٌ وَتَرْكَ إِيذَاءِ النَّاسِ وَاجِبٌ فَلاَ يُهْمَل الْوَاجِبُ لأَِجْل السُّنَّةِ (3) ، وَقَدْ وَرَدَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لَهُ: يَا عُمَرُ إِنَّكَ رَجُلٌ قَوِيٌّ لاَ تُزَاحِمْ عَلَى الْحَجَرِ فَتُؤْذِيَ الضَّعِيفَ، إِنْ وَجَدْتَ خَلْوَةً فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلاَّ فَاسْتَقْبِلْهُ وَهَلِّل وَكَبِّرْ (4) .
__________
(1) سورة الحج / 29.
(2) بدائع الصنائع 2 / 130، وحاشية البناني على هامش شرح الزرقاني 2 / 262.
(3) ابن عابدين 2 / 166، وتبيين الحقائق 2 / 15، ومواهب الجليل 3 / 108، والدسوقي 2 / 40، ومغني المحتاج 1 / 487، والمجموع 8 / 29، وكشاف القناع 2 / 478، والمغني 3 / 380.
(4) حديث: " يا عمر، إنك رجل قوي. . . . " أخرجه أحمد (1 / 28 - ط الميمنية) وأورده الهيثمي في المجمع (3 / 241 - ط القدسي) وقال: " رواه أحمد، وفيه راو لم يسم ".
السُّجُودُ عَلَى الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ:
5 - حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ بَعْدَ تَقْبِيل الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ السُّجُودُ عَلَيْهِ بِالْجَبْهَةِ، وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا " أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّل الْحَجَرَ الأَْسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ.
وَكَرِهَ مَالِكٌ السُّجُودَ وَتَمْرِيغَ الْوَجْهِ عَلَيْهِ، وَنَقَل الْكَاسَانِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بِدْعَةٌ، وَنَقَل ابْنُ الْهُمَامِ عَنْ قِوَامِ الدِّينِ الْكَاكِيِّ قَال: وَعِنْدَنَا الأَْوْلَى أَنْ لاَ يَسْجُدَ لِعَدَمِ الرِّوَايَةِ مِنَ الْمَشَاهِيرِ (1) .

الدُّعَاءُ عِنْدَ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ:
6 - ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُول الطَّائِفُ عِنْدَ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ، أَوِ اسْتِقْبَالِهِ بِوَجْهِهِ إِذَا شَقَّ عَلَيْهِ اسْتِلاَمُهُ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. لِمَا رَوَى جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ الَّذِي فِيهِ الْحَجَرُ وَكَبَّرَ ثُمَّ قَال: اللَّهُمَّ وَفَاءً بِعَهْدِكَ وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ (2) .
__________
(1) بدائع الصنائع 2 / 146، وفتح القدير 2 / 148، والدسوقي 2 / 40، والحطاب 3 / 108، والأم 2 / 145 - ط بولاق، ونيل الأوطار 5 / 40 - 44 - ط العثمانية المصرية.
(2) حديث جابر: " اللهم وفاء بعهدك وتصديقا بكتابك " قال ابن حجر في التلخيص (2 / 247 - ط شركة الطباعة الفنية) " خرجه ابن عساكر من طريق ابن ناجية بسند له ضعيف ".

الصفحة 107