كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 17)

أَنَّهُ كَانَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ مُتَطَهِّرًا مَرَّةً وَمُحْدِثًا أُخْرَى وَلاَ يَعْلَمُ أَيَّهُمَا كَانَ لاَحِقًا يَأْخُذُ بِضِدِّ مَا قَبْلَهُمَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَى ذَلِكَ فَإِِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا مُحْدِثًا فَهُوَ الآْنَ مُتَطَهِّرٌ لأَِنَّهُ تَيَقَّنَ الطَّهَارَةَ وَشَكَّ فِي تَأَخُّرِ الْحَدَثِ عَنْهَا وَالأَْصْل عَدَمُ تَأَخُّرِهِ، وَإِِنْ كَانَ قَبْلَهُمَا مُتَطَهِّرًا فَهُوَ الآْنَ مُحْدِثٌ، لأَِنَّهُ تَيَقَّنَ الْحَدَثَ وَشَكَّ فِي تَأَخُّرِ الطَّهَارَةِ عَنْهُ، وَالأَْصْل عَدَمُ تَأَخُّرِهَا، فَإِِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَا قَبْلَهُمَا لَزِمَهُ الْوُضُوءُ لِتَعَارُضِ الاِحْتِمَالَيْنِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ (1) .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لاَ يَنْظُرُ إِِلَى مَا قَبْلَهُمَا وَيَلْزَمُهُ الْوُضُوءُ (2) .
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَهُمَا وَشَكَّ فِي السَّابِقِ فَهُوَ مُتَطَهِّرٌ (3) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ صَرَّحُوا بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِشَكٍّ فِي حَدَثٍ بَعْدَ طُهْرٍ عُلِمَ، فَإِِنْ أَيْقَنَ بِالْوُضُوءِ ثُمَّ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ أَأَحْدَثَ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَمْ لاَ فَلْيُعِدْ وُضُوءَهُ إِِلاَّ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مُسْتَنْكَحًا (4) . قَال الْحَطَّابُ: هَذَا إِِذَا شَكَّ قَبْل الصَّلاَةِ، أَمَّا إِِذَا
__________
(1) ابن عابدين 1 / 102، والبدائع 1 / 33، وحاشية القليوبي 1 / 37، 38، والمغني 1 / 196، 197، ومغني المحتاج 1 / 39.
(2) القليوبي 1 / 38.
(3) ابن عابدين 1 / 102.
(4) الشك المستنكح هو الذي يأتي كل يوم ولو مرة (جواهر الإكليل 1 / 21) .
صَلَّى ثُمَّ شَكَّ هَل أَحْدَث أَمْ لاَ فَفِيهِ قَوْلاَنِ.
وَذَكَرَ فِي التَّاجِ وَالإِِْكْلِيل أَنَّ مَنْ شَكَّ أَثْنَاءَ صَلاَتِهِ هَل هُوَ عَلَى وُضُوءٍ أَمْ لاَ فَتَمَادَى عَلَى صَلاَتِهِ وَهُوَ عَلَى شَكِّهِ ذَلِكَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلاَتِهِ اسْتَيْقَنَ أَنَّهُ عَلَى وُضُوئِهِ فَإِِنَّ صَلاَتَهُ مُجْزِئَةٌ، لأَِنَّهُ دَخَل فِي الصَّلاَةِ بِطَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهَا الشَّكُّ الطَّارِئُ. أَمَّا إِِذَا طَرَأَ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ قَبْل دُخُولِهِ فِي الصَّلاَةِ فَوَجَبَ أَلاَ يَدْخُل فِي الصَّلاَةِ إِِلاَّ عَلَى طَهَارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ.
وَيُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا بِشَكٍّ فِي السَّابِقِ مِنَ الْوُضُوءِ وَالْحَدَثِ سَوَاءٌ كَانَا مُحَقَّقَيْنِ أَوْ مَظْنُونَيْنِ أَوْ مَشْكُوكَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا مُحَقَّقًا أَوْ مَظْنُونًا وَالآْخَرُ مَشْكُوكًا أَوْ أَحَدُهُمَا مُحَقَّقًا وَالآْخَرُ مَظْنُونًا (1) .
وَقَال فِي الْبَدَائِعِ: لَوْ شَكَّ فِي بَعْضِ وُضُوئِهِ - وَهُوَ أَوَّل مَا شَكَّ - غَسَل الْمَوْضِعَ الَّذِي شَكَّ فِيهِ لأَِنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْحَدَثِ فِيهِ، وَإِِنْ صَارَ الشَّكُّ فِي مِثْلِهِ عَادَةً لَهُ بِأَنْ يَعْرِضَ لَهُ كَثِيرًا لَمْ يَلْتَفِتْ إِِلَيْهِ، لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ الْوَسْوَسَةِ فَيَجِبُ قَطْعُهَا (2) . لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ فَيَنْفُخُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ فَيَقُول أَحْدَثْتَ أَحْدَثْتَ
__________
(1) مواهب الجليل للحطاب مع التاج والإكليل 1 / 300، وجواهر الإكليل 1 / 21.
(2) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني 1 / 33، 101.

الصفحة 123