كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 17)
الْمَالِكِينَ. وَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ دَخَل دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ (1) نَسَبَ الدَّارَ إِِلَى مَالِكِهَا. وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا: " وَهَل تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ (2) ".
وَاسْتَدَلُّوا لِلْجَوَازِ أَيْضًا بِعُمُومِ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ. وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي الأَْرَاضِي أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلتَّمْلِيكِ، إِلاَّ أَنَّهُ امْتَنَعَ تَمَلُّكُ بَعْضِهَا شَرْعًا لِعَارِضِ الْوَقْفِ كَالْمَسَاجِدِ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْحَرَمِ. وَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: بِالْجَوَازِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
وَقَيَّدَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ - كَرَاهَةَ إِجَارَةِ بُيُوتِ مَكَّةَ بِالْمَوْسِمِ مِنَ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ، لِكَثْرَةِ احْتِيَاجِ النَّاسِ إِلَيْهَا - أَمَّا مِنَ الْمُقِيمِ وَالْمُجَاوِرِ فَلاَ بَأْسَ بِهَا.
هَذَا، وَقَدْ بَحَثَ الزَّرْكَشِيُّ هَذَا الْمَوْضُوعَ مَعَ اتِّجَاهَاتِ الْفُقَهَاءِ وَأَدِلَّتِهِمْ بِإِِسْهَابٍ (3) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ أَيْضًا فِي مُصْطَلَحِ: (رِبَاعٌ) .
مَا اخْتُصَّ بِهِ الْحَرَمُ مِنْ أَحْكَامٍ أُخْرَى:
أ - نَذْرُ الْمَشْيِ إِِلَى الْحَرَمِ وَالصَّلاَةِ فِيهِ:
18 - جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِِلَى
__________
(1) حديث: " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ". أخرجه مسلم (3 / 1406 - ط الحلبي) .
(2) حديث: " وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور ". أخرجه البخاري (الفتح 3 / 451 - ط السلفية) ومسلم (2 / 984 - ط الحلبي) من حديث أسامة بن زيد.
(3) المراجع السابقة. إعلام الساجد للزركشي ص 143 - 152.
بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إِتْيَانَهُ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا آخَرَ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ فَعَلَيْهِ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ: (الْحَجُّ أَوِ الْعُمْرَةُ) لأَِنَّهُ قَدْ تُعُورِفَ إِيجَابُ النُّسُكِ بِهَذَا اللَّفْظِ فَكَانَ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ أَحَدُ النُّسُكَيْنِ.
وَلِمَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أُخْتِ عُقْبَةَ أَنَّهَا نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِِلَى بَيْتِ اللَّهِ فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَمْشِيَ وَتَرْكَبَ. (1) وَكَذَا إِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إِِلَى مَكَّةَ أَوْ إِِلَى الْكَعْبَةِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ إِِلَى بَيْتِ اللَّهِ (2) .
أَمَّا إِذَا نَذَرَ الإِِْتْيَانَ أَوِ الْمَشْيَ إِِلَى الْحَرَمِ أَوِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَوْ نَوَى بِبَيْتِ اللَّهِ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ أَوِ الْمَسْجِدَ الأَْقْصَى، أَوْ سَائِرَ الْمَسَاجِدِ فَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ قَال: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِِلَى الْحَرَمِ أَوِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِعَدَمِ الْعُرْفِ فِي الْتِزَامِ النُّسُكِ بِهِ. وَقَال الصَّاحِبَانِ: يَلْزَمُهُ النُّسُكُ أَخْذًا بِالاِحْتِيَاطِ لأَِنَّهُ لاَ يُتَوَصَّل إِِلَى الْحَرَمِ وَلاَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلاَّ بِالإِِْحْرَامِ فَكَانَ بِذَلِكَ مُلْتَزِمًا لِلإِِْحْرَامِ، وَلَوْ نَوَى بِقَوْلِهِ (بَيْتَ اللَّهِ) مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ أَوْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَوْ مَسْجِدًا غَيْرَهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، لأَِنَّ
__________
(1) حديث " أخت عقبة بن عامر. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 79 - ط السلفية) ، ومسلم (5 / 79 - الحلبي) .
(2) فتح القدير 3 / 88، وابن عابدين 2 / 153، وجواهر الإكليل 1 / 246، ومغني المحتاج 4 / 362، والمغني لابن قدامة 9 / 15 - 16.
الصفحة 197