كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 17)
النَّذْرُ إِنَّمَا يَجِبُ وَفَاؤُهُ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ وَاجِبٌ، إِذِ الْمَسَاجِدُ كُلُّهَا بُيُوتُ اللَّهِ، وَسَائِرُ الْمَسَاجِدِ يَجُوزُ الدُّخُول فِيهَا بِلاَ إِحْرَامٍ فَلاَ يَصِيرُ بِهِ مُلْتَزِمًا لِلإِِْحْرَامِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِِلَى أَنَّهُ لَوْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِِلَى مَسْجِدِ مَكَّةَ وَلَوْ لِصَلاَةٍ يَلْزَمُهُ، كَمَا يَلْزَمُ نَاذِرَ الْمَشْيِ إِِلَى مَكَّةَ أَوْ الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَوْ جُزْئِهِ الْمُتَّصِل بِهِ كَبَابِهِ، وَرُكْنِهِ، وَمُلْتَزَمِهِ، وَشَاذَرْوَانِهِ وَحِجْرِهِ. وَلاَ يَلْزَمُ الْمَشْيُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْحَرَمِ، كَزَمْزَمَ وَالْمَقَامِ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، أَوْ خَارِجًا عَنِ الْحَرَمِ كَعَرَفَةَ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ إِِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ إِتْيَانَهُ وَقَصَدَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، أَوْ صَرَّحَ بِلَفْظِ الْحَرَامِ، فَالْمَذْهَبُ وُجُوبُ إِتْيَانِهِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. أَمَّا إِذَا لَمْ يَقُل الْبَيْتَ الْحَرَامَ وَلاَ نَوَاهُ، أَوْ نَذَرَ أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ وَلَمْ يَنْوِ الْحَجَّ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ، لأَِنَّ بَيْتَ اللَّهِ تَعَالَى يَصْدُقُ عَلَى بَيْتِهِ الْحَرَامِ وَعَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِلَفْظٍ وَلاَ نِيَّةٍ.
وَلَوْ نَذَرَ إِتْيَانَ مَكَانٍ مِنْ الْحَرَمِ كَالصَّفَا أَوِ الْمَرْوَةِ، أَوْ مَسْجِدِ الْخَيْفِ، أَوْ مِنًى، أَوْ مُزْدَلِفَةَ، لَزِمَهُ إِتْيَانُ الْحَرَمِ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، لأَِنَّ الْقُرْبَةَ إِنَّمَا تَتِمُّ فِي إِتْيَانٍ بِنُسُكِهِ، وَالنَّذْرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْوَاجِبِ. وَحُرْمَةُ الْحَرَمِ شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنَ
__________
(1) فتح القدير 3 / 88، وحاشية ابن عابدين 2 / 253، وجواهر الإكليل 1 / 246.
الأَْمْكِنَةِ وَنَحْوِهَا فِي تَنْفِيرِ الصَّيْدِ وَغَيْرِهِ (1) .
وَتَفْصِيل الْمَسْأَلَةِ فِي مُصْطَلَحِ؛ (نَذْرٌ) وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ: (الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ) .
ب - لُقَطَةُ الْحَرَمِ:
19 - اللُّقَطَةُ هِيَ الْمَال الضَّائِعُ مِنْ رَبِّهِ يَلْتَقِطُهُ غَيْرُهُ. وَلاَ فَرْقَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ لُقَطَةِ الْحَرَمِ وَالْحِل فِي الأَْحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ مِنْ أَنَّ أَخْذَهَا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ التَّمَلُّكِ مَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِوُجُوبِ الأَْخْذِ إِذَا خَافَ الضَّيَاعَ، وَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الآْخِذِ (الْمُلْتَقِطِ) وَيُشْهِدُ عَلَى أَخْذِهَا، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ، وَلاَ يَكْتُمُ، وَلاَ يُغَيِّبُ، فَإِِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وَإِِلاَّ فَهُوَ مَال اللَّهِ عَزَّ وَجَل يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ (2) .
وَيَجِبُ تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ إِِلَى سَنَةٍ أَوْ إِِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ صَاحِبَهَا لاَ يَطْلُبُهَا. وَتَخْتَلِفُ بَعْضُ أَحْكَامِهَا عَلَى حَسَبِ اخْتِلاَفِ نَوْعِيَّةِ اللُّقَطَةِ وَقِيمَتِهَا، وَهَل يَمْلِكُهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ يَحْبِسُهَا فِي ذَلِكَ خِلاَفٌ
__________
(1) مغني المحتاج 4 / 362، 363، والمغني لابن قدامة 9 / 15 - 16.
(2) حديث: " من وجد لقطة فليشهد ذا عدل. . . ". أخرجه أبو داود (2 / 335 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عياض بن حمار وإسناده صحيح.
الصفحة 198