كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 17)
وَذَلِكَ تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الْحَرَمِ - وَكَذَلِكَ فَعَل اللَّهُ بِأَصْحَابِ الْفِيل (1) .
الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ وَالْحَرَمِ:
22 - تُسْتَحَبُّ الْمُجَاوَرَةُ بِمَكَّةَ وَالْحَرَمِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ) وَذَلِكَ لِمَا يَحْصُل مِنَ الطَّاعَاتِ الَّتِي لاَ تَحْصُل فِي غَيْرِهَا مِنَ الطَّوَافِ وَتَضْعِيفِ الصَّلَوَاتِ وَالْحَسَنَاتِ.
وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ كَرَاهَةُ الْمُجَاوَرَةِ بِالْحَرَمِ خَوْفًا مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حُرْمَتِهِ وَالتَّبَرُّمِ وَاعْتِيَادِ الْمَكَانِ. وَلِمَا يَحْصُل بِالْمُفَارَقَةِ مِنْ تَهْيِيجِ الشَّوْقِ وَانْبِعَاثِ دَاعِيَةِ الْعَوْدِ.
قَال تَعَالَى: {وَإِِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا} (2) أَيْ يَثُوبُونَ إِلَيْهِ، وَيَتَرَدَّدُونَ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى.
وَعَلَّل بَعْضُهُمُ الْكَرَاهَةَ بِالْخَوْفِ مِنْ رُكُوبِ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ فِيهِ (3) .
تَضَاعُفُ الصَّلاَةِ وَالْحَسَنَاتِ فِي الْحَرَمِ:
23 - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ صَلاَةً فِي الْمَسْجِدِ
__________
(1) الأشباه ص 369، وشفاء الغرام 1 / 68، 69، وإعلام الساجد 129، وتحفة الراكع والساجد ص 107.
(2) سورة البقرة / 125.
(3) الأشباه ص 369، وشفاء الغرام ص 84، وإعلام الساجد ص 129، 130.
الْحَرَامِ تَعْدِل مِائَةَ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِنْ أَحَادِيثَ: مِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَلاَةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلاَةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلاَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ (1) وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّلاَةَ فِيهِ تَفْضُل عَلَى مَسْجِدِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (2) .
وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ حَرَمَ مَكَّةَ كَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْمُضَاعَفَةِ الْمَذْكُورَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فِي الْخَبَرِ الْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ الْحَرَمِ، وَيَتَأَيَّدُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالَبَّادِ} (3) وقَوْله تَعَالَى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِِلَى الْمَسْجِدِ الأَْقْصَى} (4) ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ أُمِّ هَانِئٍ.
وَقِيل: الْمُرَادُ بِهِ مَسْجِدُ الْجَمَاعَةِ الَّذِي يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ الإِِْقَامَةُ فِيهِ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ: إِلاَّ
__________
(1) حديث: " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 63 - ط السلفية) ومسلم (2 / 1012 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة.
(2) إعلام الساجد 115، وشفاء الغرام 1 / 74 - 82 والأشباه لابن نجيم ص 369.
(3) سورة الحج / 25.
(4) سورة الإسراء / 1.
الصفحة 200