كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 17)
مَعْنَى فَرْضِيَّتِهَا عَلَى الْكِفَايَةِ، وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى الْكُل، لَكِنْ بِحَيْثُ إِنْ أَقَامَهَا الْبَعْضُ سَقَطَتْ عَنِ الْبَاقِينَ، وَلَوْ أَخَل بِهَا الْكُل أَثِمُوا جَمِيعًا.
وَلأَِنَّهَا مِنْ عَظَائِمِ الأُْمُورِ وَعَزَائِمِهَا الَّتِي لاَ يَتَوَلاَّهَا إِلاَّ الْعُلَمَاءُ الْعَالِمُونَ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَمَرَاتِبِ الاِحْتِسَابِ، فَإِِنَّ مَنْ لاَ يَعْلَمُهَا يُوشِكُ أَنْ يَأْمُرَ بِمُنْكَرٍ وَيَنْهَى عَنْ مَعْرُوفٍ، وَيَغْلُظَ فِي مَقَامِ اللِّينِ، وَيَلِينَ فِي مَقَامِ الْغِلْظَةِ، وَيُنْكِرَ عَلَى مَنْ لاَ يَزِيدُهُ الإِِْنْكَارُ إِلاَّ التَّمَادِي وَالإِِْصْرَارَ (1) .
وَيَكُونُ الاِحْتِسَابُ حَرَامًا فِي حَالَتَيْنِ:
الأُْولَى: فِي حَقِّ الْجَاهِل بِالْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ مَوْضُوعَ أَحَدِهِمَا مِنَ الآْخَرِ فَهَذَا يَحْرُمُ فِي حَقِّهِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَى عَنِ الْمَعْرُوفِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يُؤَدِّيَ إِنْكَارُ الْمُنْكَرِ إِِلَى مُنْكَرٍ أَعْظَم مِنْهُ مِثْل أَنْ يَنْهَى عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ فَيُؤَدِّي نَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ إِِلَى قَتْل النَّفْسِ فَهَذَا يَحْرُمُ فِي حَقِّهِ (2) .
وَيَكُونُ الاِحْتِسَابُ مَكْرُوهًا إِذَا أَدَّى إِِلَى الْوُقُوعِ فِي الْمَكْرُوهِ (3) .
__________
(1) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم 2 / 67.
(2) الناظر وغنية الذاكر 4، 6، والفروق 4 / 257، وانظر أيضا أدرار الشروق، إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين 7 / 27، والآداب الشرعية 1 / 185، وغذاء الألباب 1 / 191.
(3) الإحياء 2 / 428، وشرح الإحياء المسمى إتحاف السادة المتقين 7 / 52، 53.
وَيَكُونُ الاِحْتِسَابُ مَنْدُوبًا فِي حَالَتَيْنِ:
الأُْولَى: إِذَا تَرَكَ الْمَنْدُوبَ أَوْ فَعَل الْمَكْرُوهَ فَإِِنَّ الاِحْتِسَابَ فِيهِمَا مُسْتَحَبٌّ أَوْ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَاسْتُثْنِيَ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ وُجُوبُ الأَْمْرِ بِصَلاَةِ الْعِيدِ وَإِِنْ كَانَتْ سُنَّةً، لأَِنَّهَا مِنَ الشِّعَارِ الظَّاهِرِ فَيَلْزَمُ الْمُحْتَسِبَ الأَْمْرُ بِهَا وَإِِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً (1) .
وَحَمَلُوا كَوْنَ الأَْمْرِ فِي الْمُسْتَحَبِّ مُسْتَحَبًّا عَلَى غَيْرِ الْمُحْتَسِبِ، وَقَالُوا: إِنَّ الإِِْمَامَ إِذَا أَمَرَ بِنَحْوِ صَلاَةِ الاِسْتِسْقَاءِ أَوْ صَوْمِهِ صَارَ وَاجِبًا، وَلَوْ أَمَرَ بِهِ بَعْضُ الآْحَادِ لَمْ يَصِرْ وَاجِبًا (2) .
وَالثَّانِيَةُ: إِذَا سَقَطَ وُجُوبُ الاِحْتِسَابِ، كَمَا إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ وَيَئِسَ مِنَ السَّلاَمَةِ وَأَدَّى الإِِْنْكَارُ إِِلَى تَلَفِهَا (3) .
وَيَكُونُ حُكْمُ الاِحْتِسَابِ التَّوَقُّفَ إِذَا تَسَاوَتِ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَفْسَدَةُ، لأَِنَّ تَحْقِيقَ الْمَصْلَحَةِ وَدَرْءَ الْمَفْسَدَةِ أَمْرٌ مَطْلُوبٌ فِي الأَْمْرِ وَالنَّهْيِ، فَإِِذَا اجْتَمَعَتِ الْمَصَالِحُ وَالْمَفَاسِدُ، فَإِِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيل الْمَصَالِحِ وَدَرْءُ الْمَفَاسِدِ فُعِل ذَلِكَ امْتِثَالاً لأَِمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (4) وَإِِنْ
__________
(1) الزواجر عن اقتراف الكبائر 2 / 168، والآداب الشرعية 1 / 194، والفواكه الدواني 2 / 394.
(2) الزواجر 2 / 168، وحاشية رد المحتار 2 / 172، والآداب الشرعية 1 / 182، 183.
(3) قواعد الأحكام 1 / 110، 111، الفروق 4 / 257، 258، نصاب الاحتساب 190، تحفة الناظر 6، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي 2 / 317.
(4) سورة التغابن / 16.
الصفحة 230