كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 17)

أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ الْعُرْفِيِّ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الاِجْتِهَادَ الْعُرْفِيَّ مَا ثَبَتَ حُكْمُهُ بِالْعُرْفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} (1) . وَالاِجْتِهَادُ الشَّرْعِيُّ مَا رُوعِيَ فِيهِ أَصْلٌ ثَبَتَ حُكْمُهُ الشَّرْعِيُّ.
وَذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ الإِِْصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِِلَى اشْتِرَاطِ الاِجْتِهَادِ الشَّرْعِيِّ فِي الْمُحْتَسِبِ لِيَجْتَهِدَ بِرَأْيِهِ فِيمَا اخْتُلِفَ فِيهِ. وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْخِلاَفِ فِي أَنَّ مَنِ اشْتَرَطَ فِيهِ بُلُوغَهُ مَرْتَبَةَ الاِجْتِهَادِ فِي الْمَسَائِل الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، أَمَّا مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فَقَدْ ذَهَبَ إِِلَى عَدَمِ جَوَازِ حَمْل النَّاسِ عَلَى رَأْيِهِ (2) .
وَلاَ يُنْكِرُ الْمُحْتَسِبُ إِلاَّ مُجْمَعًا عَلَى إِنْكَارِهِ أَوْ مَا يَرَى الْفَاعِل تَحْرِيمَهُ، أَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ فَإِِنْكَارُهُ يَكُونُ عَلَى سَبِيل النَّدْبِ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ إِنْ لَمْ يَقَعْ فِي خِلاَفٍ آخَرَ وَتَرْكِ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ لاِتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْخُرُوجِ مِنَ الْخِلاَفِ (3) .
__________
(1) سورة الأعراف / 199.
(2) تحفة الناظر ص 7، ومعالم القربة ص 8، والزواجر 2 / 168، 169، الأحكام السلطانية للماوردي ص 41، وشرح النووي على مسلم 2 / 24.
(3) الزواجر 2 / 169، وإحياء علوم الدين 2 / 409، والآداب الشرعية 1 / 182، 191، غذاء الألباب 1 / 190، والفروق 4 / 257.
وَلاَ يَأْمُرُ وَلاَ يَنْهَى فِي دَقَائِقِ الأُْمُورِ إِلاَّ الْعُلَمَاءُ، وَكَذَلِكَ مَا اخْتُصَّ عِلْمُهُ بِهِمْ دُونَ الْعَامَّةِ لِجَهْلِهِمْ بِهَا. فَالْعَامِّيُّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لاَ يَحْتَسِبَ إِلاَّ فِي الْجَلِيَّاتِ الْمَعْلُومَةِ كَالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ وَالزِّنَى وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، أَمَّا مَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ مَعْصِيَةً بِالإِِْضَافَةِ إِِلَى مَا يُطِيفُ بِهِ مِنَ الأَْنْفَال وَيَفْتَقِرُ إِِلَى اجْتِهَادٍ، فَالْعَاصِي إِنْ خَاضَ فِيهِ كَانَ مَا يُفْسِدُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُهُ (1) .
الضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ صِفَةَ التَّغْيِيرِ بِأَنْ يَعْلَمَ أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ إِنْكَارَهُ الْمُنْكَرَ مُزِيلٌ لَهُ وَأَنَّ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ مُؤَثِّرٌ فِيهِ وَنَافِعٌ (2) .

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: الْعَدَالَةُ:
14 - الْعَدَالَةُ هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ فِي النَّفْسِ تَمْنَعُ مِنِ اقْتِرَافِ كَبِيرَةٍ أَوْ صَغِيرَةٍ دَالَّةٍ عَلَى الْخِسَّةِ، أَوْ مُبَاحٍ يُخِل بِالْمُرُوءَةِ (3) وَقَال الْجَصَّاصُ: أَصْلُهَا الإِِْيمَانُ بِاَللَّهِ وَاجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَمُرَاعَاةُ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل فِي الْوَاجِبَاتِ وَالْمَسْنُونَاتِ وَصِدْقُ اللَّهْجَةِ وَالأَْمَانَةُ (4) .
وَالْعَدْل مَنْ يَكُونُ مُجْتَنِبًا عَنِ الْكَبَائِرِ
__________
(1) تحفة الناظر وغنية الذاكر 4، والآداب الشرعية 1 / 174، 175، وإحياء علوم الدين 2 / 409، والفروق 4 / 255، وقواعد الأحكام 1 / 58.
(2) المصادر السابقة.
(3) الأشباه والنظائر للسيوطي 384، والمستصفى للغزالي 1 / 100.
(4) أحكام القرآن 2 / 233.

الصفحة 236