كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 17)

وَلاَ يَكُونُ مُصِرًّا عَلَى الصَّغَائِرِ، وَيَكُونُ صَلاَحُهُ أَكْثَر مِنْ فَسَادِهِ، وَصَوَابُهُ أَكْثَر مِنْ خَطَئِهِ، وَيَسْتَعْمِل الصِّدْقَ دِيَانَةً وَمُرُوءَةً وَيَجْتَنِبُ الْكَذِبَ دِيَانَةً وَمُرُوءَةً.
وَلَمْ يَشْتَرِطْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ تَحَقُّقَ الْعَدَالَةِ فِي الْمُحْتَسِبِ إِذَا كَانَ مُتَطَوِّعًا غَيْرَ صَاحِبِ وِلاَيَةٍ، وَاشْتَرَطُوهَا فِي صَاحِبِ الْوِلاَيَةِ إِلاَّ عِنْدَ الضَّرُورَةِ لِمَا سَيَأْتِي (1) :
أَمَّا وَجْهُ عَدَمِ اشْتِرَاطِهَا فِي الأَْوَّل، فَلأَِنَّ الأَْدِلَّةَ تَشْمَل الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ، وَإِِنَّ تَرْكَ الإِِْنْسَانِ لِبَعْضِ الْفُرُوضِ لاَ يُسْقِطُ عَنْهُ فُرُوضًا غَيْرَهَا، فَمَنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ لاَ يَسْقُطُ عَنْهُ فَرْضُ الصَّوْمِ وَسَائِرُ الْعِبَادَاتِ، فَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَفْعَل سَائِرَ الْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَنْتَهِ عَنْ سَائِرِ الْمُنْكَرِ، فَإِِنَّ فَرْضَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ غَيْرُ سَاقِطٍ عَنْهُ، وَإِنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْرَى فَرْضَ الأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَجْرَى سَائِرِ الْفُرُوضِ فِي لُزُومِ الْقِيَامِ بِهِ مَعَ التَّقْصِيرِ فِي بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ (2) . فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَإِِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ، وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِِنْ لَمْ تَجْتَنِبُوهُ كُلَّهُ (3) .
__________
(1) شرح أدب القاضي للصدر الشهيد 3 / 8.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2 / 320.
(3) حديث: " مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به. . . " أورده الهيثمي في المجمع (7 / 277 - ط القدسي) ، وقال: " رواه الطبراني في الصغير والأوسط من طريق عبد السلام بن عبد القدوس بن حبيب عن أبيه، وهما ضعيفان ".
وَقَال أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعُقْبَانِيُّ التِّلْمِسَانِيُّ الْمَالِكِيُّ: اخْتُلِفَ فِي الْعَدَالَةِ هَل هِيَ شَرْطٌ فِي صِفَةِ الْمُغَيِّرِ (الْمُحْتَسِبِ) أَوْ لاَ.
فَاعْتَبَرَ قَوْمٌ شَرْطِيَّتَهَا، وَرَأَوْا أَنَّ الْفَاسِقَ لاَ يُغَيِّرُ، وَأَبَى مِنِ اعْتِبَارِهَا آخَرُونَ، وَذَلِكَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْل الْعِلْمِ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الْوَاجِبَةِ عَلَى الشَّخْصِ فِي رَقَبَتِهِ كَالصَّلاَةِ فَلاَ يُسْقِطُهُ الْفِسْقُ، كَمَا لاَ يَسْقُطُ وُجُوبُ الصَّلاَةِ بِتَعَلُّقِ التَّكْلِيفِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ. قَال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ وَلَيْسَ كَوْنُهُ فَاسِقًا أَوْ مِمَّنْ يَفْعَل ذَلِكَ الْمُنْكَرَ بِعَيْنِهِ يُخْرِجُهُ عَنْ خِطَابِ التَّغْيِيرِ لأَِنَّ طَرِيقَ الْفَرْضِيَّةِ مُتَغَايِرٌ.
وَقَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ: وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ عَدْلاً عِنْدَ أَهْل السُّنَّةِ، لأَِنَّ الْعَدَالَةَ مَحْصُورَةٌ فِي قَلِيلٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ عَامٌّ فِي جَمِيعِ النَّاسِ (1) .
وَقَال الإِِْمَامُ الْغَزَالِيُّ: الْحَقُّ أَنَّ لِلْفَاسِقِ أَنْ يَحْتَسِبَ، وَبُرْهَانُهُ أَنْ تَقُول: هَل يُشْتَرَطُ فِي الاِحْتِسَابِ أَنْ يَكُونَ مُتَعَاطِيهِ مَعْصُومًا عَنِ الْمَعَاصِي كُلِّهَا؟ فَإِِنْ شُرِطَ ذَلِكَ فَهُوَ خَرْقٌ لِلإِِْجْمَاعِ، ثُمَّ حَسْمٌ لِبَابِ الاِحْتِسَابِ، إِذْ لاَ عِصْمَةَ لِلصَّحَابَةِ فَضْلاً عَمَّنْ دُونَهُمْ، وَأَنَّ
__________
(1) تحفة الناظر وغنية الذاكر 8، أحكام القرآن لابن العربي 1 / 266، 292، الجامع لأحكام القرآن 1 / 47.

الصفحة 237