كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 17)

كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي السَّتْرِ عَلَيْهِ مِثْل زَلَّةٍ مِنْ هَذِهِ الزَّلاَّتِ تَقَعُ نُدْرَةً مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ ثُمَّ يُقْلِعُ عَنْهَا وَيَتُوبُ مِنْهَا فَالأَْوْلَى أَنْ لاَ يَشْهَدُوا (1) لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَزَّالٍ: يَا هَزَّال لَوْ سَتَرْتَهُ بِرِدَائِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ (2)
وَحَدِيثِ: وَأَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ (3) وَحَدِيثِ: مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ (4)
وَقَال ابْنُ مُفْلِحٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: عَدَمُ الإِِْنْكَارِ وَالتَّبْلِيغُ عَلَى الذَّنْبِ الْمَاضِي مَبْنِيٌّ عَلَى سُقُوطِ الذَّنْبِ بِالتَّوْبَةِ، فَإِِنِ اعْتَقَدَ الشَّاهِدُ سُقُوطَهُ لَمْ يَرْفَعْهُ وَإِِلاَّ رَفَعَهُ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْمُحَرَّمِ لَمْ يَتُبْ، فَهَذَا يَجِبُ إِنْكَارُ فِعْلِهِ الْمَاضِي وَإِِنْكَارُ إِصْرَارِهِ (5) .
__________
(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام 1 / 186 - 190.
(2) حديث: " يا هزال لو سترته بردائك كان خير لك ". أخرجه مالك في الموطأ (2 / 281 - ط الحلبي) مرسلا، ووصله أبو داود (4 / 541 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث هزال، وفيه مقال وله طريق آخر عند أبي داود كذلك يتقوى به.
(3) حديث: " أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم ". أخرجه أبو داود (4 / 540 - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عائشة وحسنه المناوي في الفيض (2 / 74 - ط المكتبة التجارية) .
(4) حديث: " من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة ". سبق تخريجه (ف 29) .
(5) الآداب الشرعية 218، 219، 292، المغني لابن قدامة 9 / 48، 49، 10 / 215، 216، غذاء الألباب 1 / 207.
31 - الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ الْمُسْتَثْنَاةُ مِنِ اشْتِرَاطِ وُجُودِ الْمُنْكَرِ فِي الْحَال:
الإِِْنْكَارُ عَلَى أَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ الْفَاسِدَةِ وَالْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ.
قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي تَفْصِيل مَا إِِلَى الأَْئِمَّةِ وَالْوُلاَةِ: فَأَمَّا نَظَرُهُ فِي الدِّينِ فَيَنْقَسِمُ إِِلَى: النَّظَرِ فِي أَصْل الدِّينِ، وَإِِلَى النَّظَرِ فِي فُرُوعِهِ، فَأَمَّا الْقَوْل فِي أَصْل الدِّينِ فَيَنْقَسِمُ إِِلَى حِفْظِ الدِّينِ بِأَقْصَى الْوُسْعِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَدَفْعُ شُبُهَاتِ الزَّائِفِينَ، وَإِِلَى دُعَاءِ الْجَاحِدِينَ وَالْكَافِرِينَ إِِلَى الْتِزَامِ الْحَقِّ الْمُبِينِ (1) .
قَال الشَّاطِبِيُّ: مَنْ أَظْهَرَ بِدْعَتَهُ وَدَعَا إِلَيْهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ مِنْ تَظَاهَرَ بِمَعْصِيَةِ صَغِيرَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ أَوْ دَعَا إِلَيْهَا، يُؤَدَّبُ، أَوَيُزْجَرُ، أَوْ يُقْتَل، إِنِ امْتَنَعَ مِنْ فِعْل وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ (2) .
وَيَرَى الإِِْمَامُ الْغَزَالِيُّ أَنَّ الْبِدَعَ كُلَّهَا يَنْبَغِي أَنْ تُحْسَمَ أَبْوَابُهَا وَتُنْكَرَ عَلَى الْمُبْتَدِعِينَ بِدَعُهُمْ وَإِِنِ اعْتَقَدُوا أَنَّهَا الْحَقُّ (3) .
وَيَرَى ابْنُ الْقَيِّمِ وُجُوبَ إِتْلاَفِ الْكُتُبِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْبِدْعَةِ، وَأَنَّهَا أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ إِتْلاَفِ آنِيَةِ الْخَمْرِ وَآلاَتِ اللَّهْوِ وَالْمَعَازِفِ، وَلأَِنَّ الْحِسْبَةَ عَلَى أَهْل الأَْضْوَاءِ وَالْبِدَعِ أَهَمُّ مِنَ
__________
(1) غياث الأمم في التياث الظلم 133 - 137.
(2) الموافقات 4 / 185.
(3) الإحياء 2 / 417.

الصفحة 254