كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 17)
أَحَدُهُمَا: فِي حَقِّ السَّلْطَنَةِ مِنْ جِهَةِ التَّزْوِيرِ.
وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فِي الْغِشِّ وَهُوَ أَغْلَظُ النُّكْرَيْنِ، وَإِِنْ سَلِمَ التَّزْوِيرُ مِنْ غِشٍّ تَفَرَّدَ بِالإِِْنْكَارِ لِحَقِّ السَّلْطَنَةِ خَاصَّةً
وَأَمَّا الْحِسْبَةُ فِي حُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ:
فَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجِيرَانِ مِثْل أَنْ يَتَعَدَّى رَجُلٌ فِي حَدٍّ لِجَارِهِ، أَوْ فِي حَرِيمٍ لِدَارِهِ، أَوْ فِي وَضْعِ أَجْذَاعٍ عَلَى جِدَارِهِ، فَلاَ اعْتِرَاضَ لِلْمُحْتَسِبِ فِيهِ مَا لَمْ يَسْتَعْدِهِ الْجَارُ، لأَِنَّهُ حَقٌّ يَخُصُّهُ يَصِحُّ مِنْهُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَالْمُطَالَبَةُ بِهِ، فَإِِنْ خَاصَمَهُ إِِلَى الْمُحْتَسِبِ نَظَرَ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَنَازُعٌ وَتَنَاكُرٌ، وَأَخَذَ الْمُتَعَدِّيَ بِإِِزَالَةِ تَعَدِّيهِ، وَكَانَ تَأْدِيبُهُ عَلَيْهِ بِحَسَبِ شَوَاهِدِ الْحَال (1) .
وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَرْبَابِ الْمِهَنِ وَالصِّنَاعَاتِ وَهُمْ ثَلاَثَةُ أَصْنَافٍ: مِنْهُمْ مَنْ يُرَاعَى عَمَلُهُ فِي الْوُفُورِ وَالتَّقْصِيرِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَاعَى حَالُهُ فِي الأَْمَانَةِ وَالْخِيَانَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَاعَى عَمَلُهُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ.
فَأَمَّا مَنْ يُرَاعَى عَمَلُهُ فِي الْوُفُورِ وَالتَّقْصِيرِ فَكَالطَّبِيبِ وَالْمُعَلِّمِينَ، لأَِنَّ لِلطَّبِيبِ إِقْدَامًا عَلَى النُّفُوسِ يُفْضِي التَّقْصِيرُ فِيهِ إِِلَى تَلَفٍ أَوْ سَقَمٍ، وَلِلْمُعَلِّمِينَ مِنَ الطَّرَائِقِ الَّتِي يَنْشَأُ الصِّغَارُ عَلَيْهَا مَا يَكُونُ نَقْلُهُمْ عَنْهُ بَعْدَ الْكِبَرِ عَسِيرًا، فَيُقِرُّ مِنْهُمْ
__________
(1) الأحكام السلطانية للماوردي 254، نصاب الاحتساب 91 - 96.
مَنْ تَوَفَّرَ عِلْمُهُ وَحَسُنَتْ طَرِيقَتُهُ، وَيَمْنَعُ مَنْ قَصَّرَ وَأَسَاءَ.
وَأَمَّا مَنْ يُرَاعَى حَالُهُ فِي الأَْمَانَةِ وَالْخِيَانَةِ فَمِثْل الصَّاغَةِ وَالْحَاكَةِ وَالْقَصَّارِينَ وَالصَّبَّاغِينَ، لأَِنَّهُمْ رُبَّمَا هَرَبُوا بِأَمْوَال النَّاسِ، فَيُرَاعِي أَهْل الثِّقَةِ وَالأَْمَانَةِ مِنْهُمْ فَيُقِرُّهُمْ، وَيُبْعِدُ مَنْ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ.
وَأَمَّا مَنْ يُرَاعَى عَمَلُهُ فِي الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِفَسَادِ الْعَمَل وَرَدَاءَتِهِ وَإِِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مُسْتَعْدِيًا، وَإِِمَّا فِي عَمَلٍ مَخْصُوصٍ اعْتَادَ الصَّانِعُ فِيهِ الْفَسَادَ وَالتَّدْلِيسَ، فَإِِذَا اسْتَعْدَاهُ الْخَصْمُ قَابَل عَلَيْهِ بِالإِِْنْكَارِ وَالزَّجْرِ، فَإِِنْ تَعَلَّقَ بِذَلِكَ غُرْمٌ رُوعِيَ حَال الْغُرْمِ، فَإِِنِ افْتَقَرَ إِِلَى تَقْدِيرٍ أَوْ تَقْوِيمٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ لاِفْتِقَارِهِ إِِلَى اجْتِهَادٍ حُكْمِيٍّ، وَكَانَ الْقَاضِي بِالنَّظَرِ فِيهِ أَحَقَّ، وَإِِنْ لَمْ يَفْتَقِرْ إِِلَى تَقْدِيرٍ وَلاَ تَقْوِيمٍ وَاسْتَحَقَّ فِيهِ الْمِثْل الَّذِي لاَ اجْتِهَادَ فِيهِ وَلاَ تَنَازُعَ، فَلِلْمُحْتَسِبِ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ بِإِِلْزَامِ الْغُرْمِ وَالتَّأْدِيبِ عَلَى فِعْلِهِ، لأَِنَّهُ أَخْذٌ بِالتَّنَاصُفِ وَزَجْرٌ عَنِ التَّعَدِّي.
وَأَمَّا الْحِسْبَةُ فِي الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ حُقُوقِ اللَّهِ وَحُقُوقِ الآْدَمِيِّينَ:
فَكَالْمَنْعِ مِنَ الإِِْشْرَافِ عَلَى مَنَازِل النَّاسِ، وَلاَ يَلْزَمُ مَنْ عَلاَ بِنَاؤُهُ أَنْ يَسْتُرَ سَطْحَهُ وَإِِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لاَ يُشْرِفَ عَلَى غَيْرِهِ.
وَإِِذَا كَانَ فِي أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ السَّابِلَةِ وَالْجَوَامِعِ
الصفحة 260