كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 18)

الْحَوَالَةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَفَاءِ. وَكَذَلِكَ يُجِيزُونَ الْحَوَالَةَ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، بَل هَذَا أَوْلَى لأَِنَّهُ آيِلٌ إِلَى اللُّزُومِ (1) .

ثَانِيًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ يَصِحُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ:
أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ:
72 - اشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ صِحَّةَ الاِعْتِيَاضِ عَنِ الْمَال الْمُحَال بِهِ، وَرَأَوْا أَنَّهَا تُغْنِي عَنْ شَرِيطَةِ اللُّزُومِ أَوِ الأَْيْلُولَةِ إِلَيْهِ. فَمَا لاَ يَصِحُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ - كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، وَكُل مَبِيعٍ قَبْل قَبْضِهِ، وَدَيْنُ الزَّكَاةِ - لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ بِرَغْمِ لُزُومِهِ.
وَالْمَالِكِيَّةُ، وَجَمَاهِيرُ الْحَنَابِلَةِ، يُصَرِّحُونَ بِهَذِهِ الْمُوَافَقَةِ، كُلٌّ عَلَى طَرِيقَتِهِ.
وَمِمَّا يُسْتَدَل بِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الاِعْتِيَاضِ عَنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلاَ يَصْرِفُهُ إِلَى غَيْرِهِ (2) لَكِنْ قَالُوا إِنَّ فِي إِسْنَادِهِ عَطِيَّةَ بْنَ سَعْدٍ الْعَوْفِيَّ، قَال
__________
(1) مغني المحتاج على المنهاج 2 / 194، 202، والبجيرمي على المنهج 3 / 21، والباجوري على ابن قاسم 1 / 392 والأشباه والنظائر للسيوطي ص 151 ومطالب أولي النهى 3 / 325 - 326.
(2) حديث: " من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره " أخرجه أبو داود (3 / 744 - 745 - تحقيق عزت عبيد دعاس) وابن ماجه (2 / 766 - ط الحلبي) وأعله المنذري بضعف أحد رواته. مختصر السنن (5 / 113 - نشر دار المعرفة) .
الْمُنْذِرِيُّ: لاَ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ، وَيُغْنِي عَنْهُ النَّهْيُ الثَّابِتُ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ (1) .
وَقَدْ نَصَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى صِحَّةِ ضَمَانِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ صِحَّةُ الْحَوَالَةِ بِهِ أَيْضًا، إِذْ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ أَنَّ كُل دَيْنٍ صَحَّ ضَمَانُهُ صَحَّتْ حَوَالَتُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَجْهُولاً. وَصَرَّحَ بِهِ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ تَنْزِيلاً لَهُ مَنْزِلَةَ الْمَوْجُودِ لِصِحَّةِ الإِْبْرَاءِ مِنْهُ.
لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ وَمُوَافِقِيهِمْ يُفَرِّقُونَ فِي دَيْنِ السَّلَمِ مِنْ حَيْثُ تَصْحِيحُهُمْ ضَمَانَهُ دُونَ الْحَوَالَةِ بِهِ بِأَنَّ دَيْنَ السَّلَمِ لاَ يَصِحُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهُ، وَأَنَّ الْحَوَالَةَ اعْتِيَاضٌ، لأَِنَّهَا بَيْعٌ بِخِلاَفِ الضَّمَانِ.
وَظَاهِرٌ أَنَّ كُل مَنْ يُجِيزُ أَخْذَ الْقِيمَةِ عَنِ الزَّكَاةِ، لاَ يُسَلِّمُ بِهَذَا التَّعْلِيل (عَدَمُ صِحَّةِ الاِعْتِيَاضِ) لِمَنْعِ الْحَوَالَةِ بِدَيْنِ الزَّكَاةِ، فَالَّذِي لاَ يَرَى عِلَّةً مَانِعَةً أُخْرَى يُصَرِّحُ بِجَوَازِ الْحَوَالَةِ بِهِ.
وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْفُسِهِمْ مَنْ يُصَرِّحُ أَيْضًا بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ بِدَيْنِ الزَّكَاةِ، عَلَى أَنَّهَا اسْتِيفَاءٌ لاَ بَيْعٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الثَّمَنَ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهِ عِنْدَ كَثِيرِينَ، كَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ،
__________
(1) حديث: " نهى عن بيع مالم يقبض ". ورد فيه حديث عبد الله بن عمر مرفوعا: " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه ". أخرجه البخاري (الفتح 4 / 349 - ط السلفية) .

الصفحة 201