كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 18)

لأَِنَّ الْحَوَالَةَ مُتَسَامَحٌ فِيهَا اسْتِثْنَاءً لأَِنَّهَا إِرْفَاقٌ كَمَا تَقَدَّمَ (1) .
73 - وَلاِعْتِبَارِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ - خِلاَفًا لأَِشْهَبَ - عَلَى امْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنَانِ (الْمُحَال بِهِ وَالْمُحَال عَلَيْهِ) طَعَامَيْنِ مِنْ بَيْعِ (سَلَمٍ) . بَل هُمْ يَقْتَصِرُونَ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ فِي صِيَاغَةِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، لأَِنَّ الَّذِي يَمْتَنِعُ عِنْدَهُمْ بَيْعُهُ قَبْل قَبْضِهِ إِنَّمَا هُوَ طَعَامُ الْمُعَاوَضَةِ لاَ غَيْرَ (2) .
(وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنْ تَمْتَنِعَ عِنْدَهُمْ أَيْضًا الْحَوَالَةُ بِدَيْنٍ عَلَى دَيْنٍ، وَأَحَدُهُمَا طَعَامٌ مِنْ بَيْعٍ وَالآْخَرُ مِنْ قَرْضٍ) . وَهَذَا هُوَ الَّذِي قَرَّرَهُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ (3) . وَقَدْ جَرَى عَلَيْهِ خَلِيلٌ فِي الْبُيُوعِ، وَلَكِنَّهُ جَرَى هُنَا فِي الْحَوَالَةِ عَلَى عَدَمِ امْتِنَاعِ هَذِهِ الصُّورَةِ، مَتَى كَانَ أَحَدُ الدَّيْنَيْنِ حَالًّا - كَمَا حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ نَفْسِهِ، وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ عَدَا ابْنَ الْقَاسِمِ - رُكُونًا إِلَى قَوْل
__________
(1) حاشية ابن عابدين على الدر المختار 4 / 263، والمبسوط 20 / 47، والإنصاف 5 / 223، والنهاية على المنهاج وحواشيها 4 / 410 - 411 ومغني المحتاج على المنهاج 2 / 194. ولعل هذا من قبيل التفريع على الأصل الآخر: أعني أن الحوالة استيفاء لا بيع (الأشباه والنظائر للسيوطي 151) .
(2) فقد أجاز أشهب الحوالة إذا اتفق الطعامان في سبب الاستحقاق من سلم أو غيره، وتساوت رؤوس الأموال أو الأثمان وتكون عندئذ من قبيل التولية (بداية المجتهد 2 / 300 والتحفة لابن عاصم وحواشيها للعراقي 2 / 34) .
(3) وهو جدير بأن يمثل المذهب المالكي حقا.
ابْنِ يُونُسَ: إِنَّ هَذَا هُوَ الأَْصْوَبُ، تَغْلِيبًا لِجَانِبِ الدَّيْنِ الآْخَرِ الَّذِي لَيْسَ بِطَعَامٍ مُعَاوَضَةً. أَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَلَمْ يُصَحِّحْهَا إِلاَّ بِشَرِيطَةِ حُلُول الدَّيْنَيْنِ كِلَيْهِمَا فَهُوَ تَنْزِيلٌ لِلْحُلُول مَنْزِلَةَ الْقَبْضِ (1) .

ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ:
74 - الَّذِينَ اشْتَرَطُوا صِحَّةَ الاِعْتِيَاضِ عَنِ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ هُمُ الَّذِينَ اشْتَرَطُوا مِثْلَهَا فِي الْمُحَال بِهِ، فَعَلَى مَا هُنَاكَ لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِرَأْسِ مَال السَّلَمِ، وَعَلَى مَا هُنَا لاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ عَلَيْهِ وَكَذَا الْمُسْلَمُ فِيهِ، وَكُل مَبِيعٍ قَبْل قَبْضِهِ، وَدَيْنُ الزَّكَاةِ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي كُلٍّ مِنْ دَيْنِ السَّلَمِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَرَأْسِ مَالِهِ وَجْهٌ بِصِحَّةِ الْحَوَالَةِ عَلَيْهِ وَبِهِ (2) .
وَوَاضِحٌ بِنَاءُ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ عَلَى أَنَّ الْحَوَالَةَ بَيْعٌ وَقَدْ فَرَغْنَا مِنْ ذَلِكَ قَبْلاً (ر: ف 11) .

ثَالِثًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال بِهِ أَوْ عَلَيْهِ مُسْتَقِرًّا
أ - الْمَال الْمُحَال بِهِ:
75 - الدَّيْنُ الْمُسْتَقِرُّ هُوَ الَّذِي لاَ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ انْفِسَاخٌ بِتَلَفِ مُقَابِلِهِ، أَوْ فَوَاتِهِ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ كَتَعَذُّرِ الْمَال الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي عَقْدِ السَّلَمِ.
__________
(1) الخرشي على خليل 4 / 235 والتحفة لابن عاصم وحواشيها للعراقي 2 / 34.
(2) الرشيدي على النهاية على المنهاج 4 / 78 والفروع 2 / 624 والإنصاف 5 / 223.

الصفحة 202