كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 18)
فَالْمَهْرُ قَبْل الدُّخُول وَقَبْل الْمَوْتِ، وَالأُْجْرَةُ قَبْل اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، أَوْ قَبْل مُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَالثَّمَنُ قَبْل قَبْضِ الْمَبِيعِ، وَمَا شَاكَل ذَلِكَ، كُلُّهَا دُيُونٌ لاَزِمَةٌ يَصِحُّ الاِعْتِيَاضُ عَنْهَا، وَلَكِنَّهَا غَيْرُ مُسْتَقِرَّةٍ لأَِنَّهَا عُرْضَةٌ لِلسُّقُوطِ بِفَوَاتِ مُقَابِلِهَا، كَرِدَّةِ الزَّوْجَةِ، وَمَوْتِ الأَْجِيرِ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَتَلَفِ الْمَبِيعِ فَلاَ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهَا، وَبِالأَْوْلَى إِذَا اخْتَلَّتْ شَرِيطَةٌ أُخْرَى، كَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، لاِنْتِفَاءِ لُزُومِهِ.
وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ يَجْزِمُ بِهَا كَثِيرٌ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا جُمْهُورَهُمْ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ الأَْشْهَرُ عِنْدَهُمْ (1) .
ب - الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ:
76 - لَمْ يُصَرِّحْ بِاشْتِرَاطِ اسْتِقْرَارِهِ سِوَى الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا نَقْلاً عَنْ نَصِّ أَحْمَدَ، وَفِي التَّفْرِيعِ عَلَى ذَلِكَ يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: (دَيْنُ السَّلَمِ لَيْسَ بِمُسْتَقَرٍّ، لِكَوْنِهِ بِعَرْضِ الْفَسْخِ، لاِنْقِطَاعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ) ثُمَّ يَقُول: (وَإِنْ أَحَالَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا بِصَدَاقِهَا قَبْل الدُّخُول لَمْ يَصِحَّ، لأَِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَإِنْ أَحَالَهَا الزَّوْجُ بِهِ صَحَّ، لأَِنَّ لَهُ تَسْلِيمَهُ إِلَيْهَا، وَحَوَالَتُهُ بِهِ تَقُومُ مَقَامَ تَسْلِيمِهِ،
__________
(1) الفروع 2 / 625. ولا يظهر لهذه الشريطة وجه وجيه في المحال به، مادام المدين يملك حق إيفاء دينه قبل استقراره، كما سنرى في كلام ابن قدامة المقدسي الذي سننقله قريبا في المال المحال عليه، وفي كلام المجد ابن تيمية.
وَإِنْ أَحَالَتْ بِهِ بَعْدَ الدُّخُول صَحَّ لأَِنَّهُ مُسْتَقِرٌّ، وَإِنْ أَحَال الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ لَمْ يَصِحَّ فِي قِيَاسِ مَا ذُكِرَ، وَإِنْ أَحَالَهُ الْمُشْتَرِي بِهِ صَحَّ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَفَاءِ، وَلَهُ الْوَفَاءُ قَبْل الاِسْتِقْرَارِ) .
وَيُلْحَظُ هُنَا أَنَّ ابْنَ قُدَامَةَ فِي كَلاَمِهِ هَذَا يَجْرِي عَلَى عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الدَّيْنِ غَيْرِ اللاَّزِمِ كَمَال الْكِتَابَةِ، وَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَبَيْنَ الدَّيْنِ اللاَّزِمِ غَيْرِ الْمُسْتَقِرِّ كَدَيْنِ السَّلَمِ، وَالْمَهْرِ قَبْل الدُّخُول، كَمَا أَنَّهُ جَرَى عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ الاِسْتِقْرَارِ إِلاَّ فِي الدَّيْنِ الْمُحَال عَلَيْهِ دُونَ الْمُحَال بِهِ، فَصَحَّحَ إِحَالَةَ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ بِمَهْرِهَا قَبْل الدُّخُول، وَمَنَعَ الإِْحَالَةَ مِنْهَا عَلَيْهِ، لأَِنَّ لَهُ الإِْحَالَةَ بِهِ حَيْثُ يَصِحُّ مِنْهُ التَّسْلِيمُ. وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي الْحَنَابِلَةِ مَنْ يُنَازِعُ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، فَالْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي " الْمُحَرَّرِ " لَمْ يَسْتَثْنِ مِنَ الدُّيُونِ الَّتِي تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِهَا وَعَلَيْهَا سِوَى دَيْنَ السَّلَمِ - فَمَنَعَ الْحَوَالَةَ بِهِ وَعَلَيْهِ - وَهَذَا الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مُنَازَعٌ فِي مَنْعِهِ عِنْدَهُمْ: فَقَدْ حَكَى صَاحِبُ الإِْنْصَافِ صِحَّةَ الْحَوَالَةِ بِدَيْنِ السَّلَمِ وَعَلَيْهِ مُطْلَقًا (1) .
رَابِعًا: كَوْنُ الْمَال الْمُحَال عَلَيْهِ نَاشِئًا عَنْ مُعَاوَضَةٍ مَالِيَّةٍ:
77 - وَهَذِهِ الشَّرِيطَةُ شَرِيطَةُ لُزُومٍ. فَالَّذِي يُخَالِعُ
__________
(1) الفروع وتصحيحه 2 / 625 والإنصاف 5 / 223 والمغني 5 / 55 - 56.
الصفحة 203