كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 19)

عَنْهُ فَيُعْذَرُ، وَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى تَغْيِيرًا فَاحِشًا مِمَّا اعْتِقَادُهُ كُفْرٌ، مِثْل الْبَارِئِ الْمُصَوَّرِ - بِفَتْحِ الْوَاوِ - وَ {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءَ} (1) بِرَفْعِ اسْمِ الْجَلاَلَةِ وَنَصْبِ الْعُلَمَاءِ - فَسَدَتْ فِي قَوْل الْمُتَقَدِّمِينَ، وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ: فَقَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: لاَ تَفْسُدُ. وَمَا قَالَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ أَحْوَطُ؛ لأَِنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ يَكُونُ كُفْرًا، وَمَا يَكُونُ كُفْرًا لاَ يَكُونُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَيَكُونُ مُتَكَلِّمًا بِكَلاَمِ النَّاسِ الْكُفَّارِ غَلَطًا وَهُوَ مُفْسِدٌ، كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ بِكَلاَمِ النَّاسِ سَاهِيًا مِمَّا لَيْسَ بِكُفْرٍ فَكَيْفَ وَهُوَ كُفْرٌ، وَقَوْل الْمُتَأَخِّرِينَ أَوْسَعُ؛ لأَِنَّ النَّاسَ لاَ يُمَيِّزُونَ بَيْنَ وُجُوهِ الإِْعْرَابِ.
وَيَتَّصِل بِهَذَا تَخْفِيفُ الْمُشَدَّدِ، وَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّ تَرْكَ الْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ كَالْخَطَأِ فِي الإِْعْرَابِ، فَلِذَا قَال كَثِيرٌ بِالْفَسَادِ فِي تَخْفِيفِ - {رَبِّ الْعَالَمِينَ} - وَ - {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} - وَالأَْصَحُّ لاَ تَفْسُدُ.
وَأَمَّا فِي الْحُرُوفِ فَإِذَا وَضَعَ حَرْفًا مَكَانَ غَيْرِهِ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَطَأً أَوْ عَجْزًا، فَالأَْوَّل إِنْ لَمْ يُغَيِّرَ الْمَعْنَى وَكَانَ مِثْلُهُ مَوْجُودًا فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ - إِنَّ الْمُسْلِمُونَ - لاَ تَفْسُدُ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ وَلَيْسَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ نَحْوُ - قَيَّامِينَ بِالْقِسْطِ - وَالتَّيَّابِينَ - وَالْحَيُّ الْقَيَّامُ - لَمْ تَفْسُدْ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَفْسُدُ. وَإِنْ غَيَّرَ الْمَعْنَى فَسَدَتْ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ. فَلَوْ قَرَأَ أَصْحَابَ الشَّعِيرِ - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ فَسَدَتِ اتِّفَاقًا -
__________
(1) سورة فاطر / 28
فَالْعِبْرَةُ فِي عَدَمِ الْفَسَادِ عِنْدَهُمَا بِعَدَمِ تَغَيُّرِ الْمَعْنَى - وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ الْعِبْرَةُ بِوُجُودِ الْمِثْل فِي الْقُرْآنِ (1) .
وَأَمَّا التَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فَإِنْ غَيَّرَ، نَحْوَ قَوْسَرَةٍ فِي قَسْوَرَةٍ فَسَدَتْ، وَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ لاَ تَفْسُدُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ.
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ وَمِنْهَا فَكُّ الْمُدْغَمِ، فَإِنْ لَمْ يُغَيِّرْ نَحْوُ (وَانْهَا عَنِ الْمُنْكَرِ) بِالأَْلِفِ (وَرَادِدُوهُ إِلَيْكَ) لاَ تَفْسُدُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمَشَايِخِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ. وَإِنْ غَيَّرَ نَحْوُ (زَرَابِيبَ) مَكَانَ (زَرَابِيُّ) (وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) (وَإِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى) بِزِيَادَةِ الْوَاوِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ تَفْسُدُ.
وَكَذَا النُّقْصَانُ إِنْ لَمْ يُغَيِّرْ لاَ تَفْسُدُ نَحْوُ (جَاءَهُمْ) مَكَانَ (جَاءَتْهُمْ) وَإِنْ غَيَّرَ فَسَدَ نَحْوُ (النَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى مَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُْنْثَى) بِلاَ وَاوٍ.
أَمَّا الْكَلِمَةُ مَكَانَ الْكَلِمَةِ فَإِنْ تَقَارَبَا مَعْنًى، وَمِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَالْحَكِيمِ مَكَانَ الْعَلِيمِ، لَمْ تَفْسُدِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْمِثْل كَالْفَاجِرِ مَكَانَ الأَْثِيمِ فَكَذَلِكَ عِنْدَهُمَا، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ، فَلَوْ لَمْ يَتَقَارَبَا وَلاَ مِثْل لَهُ فَسَدَتِ اتِّفَاقًا إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَكَرًا، وَإِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ مِمَّا اعْتِقَادُهُ كُفْرٌ كَغَافِلِينَ فِي {إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} فَعَامَّةُ الْمَشَايِخِ عَلَى أَنَّهَا تَفْسُدُ اتِّفَاقًا.
__________
(1) شرح فتح القدير 1 / 322، 323

الصفحة 145