كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 19)
مِنَ الْمُشَاعِ بَيْنَ الْخُلَطَاءِ، فَلاَ إِشْكَال؛ لأَِنَّهُ يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِنِسْبَةِ مِلْكِهِمْ فِي أَصْل الْمَال.
وَإِنْ كَانَتْ خُلْطَةَ جِوَارٍ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَأْخُذَ بِحَقٍّ أَوْ بِبَاطِلٍ.
الْحَالَةُ الأُْولَى:
أَنْ يَأْخُذَ بِحَقٍّ، وَحِينَئِذٍ فَمَا أَخَذَهُ يَتَرَاجَعَانِ فِي قِيمَتِهِ بِالنِّسْبَةِ الْعَدَدِيَّةِ لِكُلٍّ مِنْ مَالَيْهِمَا. فَلَوْ خَلَطَا عِشْرِينَ مِنَ الْغَنَمِ بِعِشْرِينَ، فَأَخَذَ السَّاعِي شَاةً مِنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الشَّاةِ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُ، لاَ بِنِصْفِ شَاةٍ؛ لأَِنَّ الشَّاةَ غَيْرُ مِثْلِيَّةٍ.
وَلَوْ كَانَ لأَِحَدِهِمَا مِائَةٌ وَلِلآْخَرِ خَمْسُونَ فَأَخَذَ السَّاعِي الشَّاتَيْنِ الْوَاجِبَتَيْنِ مِنْ غَنَمِ صَاحِبِ الْمِائَةِ، رَجَعَ بِثُلُثِ قِيمَتِهِمَا، أَوْ مِنْ صَاحِبِ الْخَمْسِينَ رَجَعَ عَلَى الآْخَرِ بِثُلُثَيْ قِيمَتِهِمَا، أَوْ أَخَذَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا شَاةً، رَجَعَ صَاحِبُ الْمِائَةِ بِثُلُثِ قِيمَةِ شَاتِهِ، وَصَاحِبُ الْخَمْسِينَ بِثُلُثَيْ قِيمَةِ شَاتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ وَتَنَازَعَا فِي قِيمَةِ الْمَأْخُوذِ، فَالْقَوْل قَوْل الْمَرْجُوعِ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ إِذَا احْتَمَل قَوْلُهُ الصِّدْقَ لأَِنَّهُ غَارِمٌ (1) .
وَالْمُعْتَبَرُ فِي قِيمَةِ الْمَرْجُوعِ بِهِ يَوْمَ الأَْخْذِ فِي قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لأَِنَّهُ بِمَعْنَى الاِسْتِهْلاَكِ، وَقَال أَشْهَبُ: يَوْمَ التَّرَاجُعِ؛ لأَِنَّهُ بِمَعْنَى السَّلَفِ، وَالْمُتَسَلِّفُ إِذَا عَجَزَ عَنْ رَدِّ مَا تَسَلَّفَهُ وَأَرَادَ رَدَّ
__________
(1) شرح المنهاج وحاشية القليوبي 2 / 12، والفروع 2 / 399، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي 1 / 440.
قِيمَتِهِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْقَضَاءِ (1) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ:
أَنْ يَأْخُذَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَهَذَا عَلَى نَوْعَيْنِ؛ لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُتَأَوِّلاً تَأْوِيلاً سَائِغًا أَوْ لاَ.
فَإِنْ كَانَ مُتَأَوِّلاً تَأْوِيلاً سَائِغًا، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ رَأَى جَوَازَ ذَلِكَ شَرْعًا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ أَخَذَ بِحَقٍّ. وَمِثَال ذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، أَنْ يَأْخُذَ شَاةً مِنْ خَلِيطَيْنِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عِشْرُونَ شَاةً، فَيَتَرَاجَعَا كَمَا تَقَدَّمَ. وَالأَْصْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ هَذَا الأَْخْذَ بِغَيْرِ حَقٍّ، لأَِنَّ الْخُلْطَةَ لاَ تُؤَثِّرُ تَكْمِيل النِّصَابِ كَمَا تَقَدَّمَ، بِخِلاَفِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَمِثَالُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا لَوْ أَخَذَ شَاتَيْنِ مِنْ خَلِيطَيْنِ لأَِحَدِهِمَا مِائَةٌ، وَلِلآْخَرِ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ، فَعَلَى الأَْوَّل أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الشَّاتَيْنِ، وَعَلَى الآْخَرِ خُمْسُهُمَا، لأَِنَّ أَخْذَ السَّاعِي يُنَزَّل مَنْزِلَةَ حُكْمِ الْحَاكِمِ، لأَِنَّهُ نَائِبُ الإِْمَامِ فَفِعْلُهُ كَفِعْلِهِ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُتَأَوِّلٍ، أَوْ كَانَ مُتَأَوِّلاً وَلاَ وَجْهَ لِتَأَوُّلِهِ، فَلاَ تُرَاجَعُ، وَهِيَ مُصِيبَةٌ حَلَّتْ بِمَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ، إِذِ الْمَظْلُومُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَظْلِمَتِهِ عَلَى غَيْرِهِ.
مِثَال ذَلِكَ، أَنْ يَكُونَ لِكُلٍّ مِنَ الْخَلِيطَيْنِ ثَلاَثُونَ شَاةً، فَيَأْخُذَ السَّاعِي مِنْ مَال أَحَدِهِمَا شَاتَيْنِ، فَيَرْجِعَ عَلَى الآْخَرِ بِنِصْفِ إِحْدَى
__________
(1) حاشية الدسوقي 1 / 441.
الصفحة 233