كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 19)
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: لاَ يَجْتَمِعُ عَلَى الْمُسْلِمِ خَرَاجٌ وَعُشْرٌ. (1)
وَبِمَا رَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ قَال كَتَبَ إِلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي دِهْقَانَةَ نَهْرِ الْمَلِكِ - كُورَةٌ وَاسِعَةٌ مِنَ الأَْرْضِ الَّتِي بُنِيَتْ بِهَا بَغْدَادُ - أَسْلَمَتْ فَكَتَبَ: أَنِ ادْفَعُوا إِلَيْهَا أَرْضَهَا تُؤَدِّي عَنْهَا الْخَرَاجَ (2) .
فَأَمَرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَخْذِ الْخَرَاجِ، وَلَمْ يَأْمُرْ بِأَخْذِ الْعُشْرِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لأََمَرَ بِهِ.
وَلأَِنَّهُ لَمْ يَأْخُذْ أَحَدٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْعَدْل، وَوُلاَةِ الْجَوْرِ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ عُشْرًا؛ وَلأَِنَّ سَبَبَ وُجُوبِهِمَا وَاحِدٌ وَهُوَ الأَْرْضُ النَّامِيَةُ، فَلاَ يَجْتَمِعَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ كَمَا لاَ يَجْتَمِعُ زَكَاتَانِ فِي مَالٍ وَاحِدٍ كَزَكَاةِ السَّائِمَةِ وَالتِّجَارَةِ فِي الْحَيَوَانَاتِ. (3)
مَصَارِفُ الْخَرَاجِ:
64 - لَمْ يُفَرِّقِ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ الْخَرَاجِ وَالْفَيْءِ فِي
__________
(1) حديث: " لا يجتمع على مسلم خراج وعشر. . . . " أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء (6 / 2710 - ط دار الفكر) وعنه البيهقي (4 / 132 - ط دائرة المعارف العثمانية) ، وأنكر البيهقي وصله ورفعه.
(2) رواه أبو عبيد في الأموال ص 124.
(3) الكمال بن الهمام: فتح القدير 5 / 286، حاشية ابن عابدين 4 / 192، الكاساني: البدائع 2 / 932، الغنيمي الميداني: اللباب في شرح الكتاب دار الكتاب العربي ببيروت ط 4 / 1399 هـ 1 / 152، ابن نجيم: البحر الرائق 5 / 118، الجصاص: أحكام القرآن 3 / 14.
الصَّرْفِ، كَمَا فَرَّقُوا بَيْنَ الْفَيْءِ وَالزَّكَاةِ مِنْ جِهَةٍ، وَمِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ بَيْنَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ.
فَالْفَيْءُ يَتَوَقَّفُ صَرْفُهُ عَلَى اجْتِهَادِ الإِْمَامِ فِي تَقْدِيرِ الْمَصَالِحِ، وَتَقْدِيمِ الأَْهَمِّ عَلَى الْمُهِمِّ، وَالزَّكَاةُ تُصْرَفُ فِي الْمَصَارِفِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي حَدَّدَتْهَا آيَةُ الصَّدَقَاتِ. وَالْغَنِيمَةُ تُخَمَّسُ، وَتُقْسَمُ الأَْرْبَعَةُ الأَْخْمَاسِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَمَا حَدَّدَتْ آيَةُ الْغَنَائِمِ.
قَال ابْنُ رُشْدٍ: يُصْرَفُ خَرَاجُهَا - أَيْ خَرَاجُ الأَْرْضِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً - فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ، وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُبُل الْخَيْرِ (1) .
(وَقَال الْبُهُوتِيُّ: وَمَصْرِفُ الْخَرَاجِ كَفَيْءٍ لأَِنَّهُ مِنْهُ) . (2)
وَقَال الْكَاسَانِيُّ: وَأَمَّا مَصْرِفُ النَّوْعِ الثَّالِثِ مِنَ الْخَرَاجِ وَأَخَوَاتِهِ فَعِمَارَةُ الدِّينِ، وَإِصْلاَحُ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ رِزْقُ الْوُلاَةِ، وَالْقُضَاةِ وَأَهْل الْفَتْوَى مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْمُقَاتِلَةِ، وَرَصْفُ الطُّرُقِ وَعِمَارَةُ الْمَسَاجِدِ، وَالرِّبَاطَاتِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَالْجُسُورِ، وَسَدُّ الثُّغُورِ، وَإِصْلاَحُ الأَْنْهَارِ الَّتِي لاَ مِلْكَ لأَِحَدٍ فِيهَا. (3)
(وَقَال النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: مَا يُؤْخَذُ مِنْ خَرَاجِ هَذِهِ الأَْرْضِ يَصْرِفُهُ الإِْمَامُ فِي مَصَالِحِ
__________
(1) ابن رشد: بداية المجتهد 1 / 401.
(2) البهوتي: كشاف القناع 3 / 100.
(3) الكاساني: بدائع الصنائع 2 / 959.
الصفحة 89