كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 20)

أَبُو بَكْرٍ خَطَرَهُ، فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْقِمَارُ بِعَيْنِهِ (1) .
وَكَانَتْ مَكَّةُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ دَارَ حَرْبٍ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّ لِلْمُسْلِمِ أَخْذَ مَال الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ مَا لَمْ يَكُنْ غَدْرًا (2) .

إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ:
5 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ زَنَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ سَرَقَ، أَوْ قَذَفَ مُسْلِمًا، أَوْ شَرِبَ خَمْرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ.
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ إِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَيْهِ، لأَِنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ فَرْضٌ كَالصَّلاَةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ، وَلاَ تُسْقِطُ دَارُ الْحَرْبِ عَنْهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.
إِذَا قَتَل مُسْلِمٌ مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ يَسْتَوْفِي مِنْهُ الْقِصَاصَ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ كَانُوا فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ (3) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَلَوْ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {
__________
(1) حديث أبي بكر في نزول سورة الروم. أورده الزمخشري في الكشاف (3 / 466 - 467 - ط دار الكتاب العربي) وقال ابن حجر في تخريجه: " قصة أبي بكر في المراهنة رواها الترمذي وغيره من حديث نيار بن مكرم الأسلمي وسياقها مخالف لسياق هذه القصة ".
(2) حاشية الطحطاوي 3 / 112، بدائع الصنائع 5 / 192.
(3) الخرشي 3 / 111، والأم 4 / 248.
لاَ تُقَامُ الْحُدُودُ فِي دَارِ الْحَرْبِ (1) . وَقَوْلِهِ: مَنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَأَصَابَ بِهَا حَدًّا ثُمَّ هَرَبَ فَخَرَجَ إِلَيْنَا فَإِنَّهُ لاَ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ (2) وَلأَِنَّ الإِْمَامَ لاَ يَقْدِرُ عَلَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ فِي دَارِ الْحَرْبِ لِعَدَمِ الْوِلاَيَةِ، وَلاَ يُقَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ الْفِعْل لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا أَصْلاً، وَكَذَلِكَ إِذَا قَتَل مُسْلِمًا فِيهَا لاَ يُؤْخَذُ بِالْقِصَاصِ وَإِنْ كَانَ الْقَتْل عَمْدًا لِتَعَذُّرِ الاِسْتِيفَاءِ، وَلأَِنَّ كَوْنَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْرَثَ شُبْهَةً فِي الْوُجُوبِ، وَالْقِصَاصُ لاَ يَجِبُ مَعَ الشُّبْهَةِ، وَيَضْمَنُ الدِّيَةَ وَتَكُونُ فِي مَالِهِ لاَ عَلَى الْعَاقِلَةِ، لأَِنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى الْقَاتِل ابْتِدَاءً، ثُمَّ الْعَاقِلَةُ تَتَحَمَّل عَنْهُ لِمَا بَيْنَهُمْ مِنَ التَّنَاصُرِ، وَلاَ تَنَاصُرَ عِنْدَ اخْتِلاَفِ الدَّارِ (3) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا: تَجِبُ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ، وَلَكِنَّهَا لاَ تُقَامُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَتُقَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
__________
(1) حديث: " لا تقام الحدود في دار الحرب ". قال الزيلعي في نصب الراية (3 / 343 - ط المجلس العلمي) : " غريب " يعني أنه لا أصله له. ثم ذكر أنه ورد من قول زيد بن ثابت: لا تقام الحدود في دار الحرب مخافة أن يلحق أهلها بالعدو.
(2) حديث: " من زنى أو سرق في دار الحرب. . . " لم نهتد إليه في المصادر الحديثية التي بين أيدينا.
(3) بدائع الصنائع 7 / 131، وابن عابدين 3 / 156، وفتح القدير 4 / 153، ونصب الراية 3 / 343.

الصفحة 209