كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 20)
أَمْوَالَهُمْ لَمَلَكَتِ الأَْنْصَارِيَّةُ النَّاقَةَ. لأَِنَّهَا تَكُونُ أَخَذَتْ مَالاً غَيْرَ مَعْصُومٍ فِي دَارِ حَرْبٍ وَأَحْرَزُوهُ بِدَارِهِمْ، وَلَكِنَّ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّهَا نَذَرَتْ فِيمَا لاَ تَمْلِكُ وَأَخَذَ نَاقَتَهُ، وَبِهِ قَال أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، قَال: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ (1) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ أَهْل دَارِ الْحَرْبِ إِذَا دَخَلُوا دَارَ الإِْسْلاَمِ وَاسْتَوْلَوْا عَلَى أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُحْرِزُوهَا بِدَارِهِمْ لاَ يَمْلِكُونَهَا، أَمَّا إِذَا أَحْرَزُوهَا بِدَارِهِمْ فَإِنَّهُمْ يَمْلِكُونَهَا. وَقَالُوا: لأَِنَّ مِلْكَ الْمُسْلِمِ يَزُول بِالإِْحْرَازِ بِدَارِ الْحَرْبِ، فَتَزُول الْعِصْمَةُ، فَكَأَنَّهُمُ اسْتَوْلَوْا عَلَى مَالٍ مُبَاحٍ غَيْرِ مَمْلُوكٍ، لأَِنَّ الْمِلْكَ هُوَ: الاِخْتِصَاصُ بِالْمَحَل فِي حَقِّ التَّصَرُّفِ، أَوْ شُرِعَ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَحَل، وَقَدْ زَال بِالإِْحْرَازِ بِالدَّارِ. فَإِذَا زَال مَعْنَى الْمِلْكِ أَوْ مَا شُرِعَ لَهُ الْمِلْكُ، يَزُول الْمِلْكُ ضَرُورَةً (2) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ: يَمْلِكُونَهَا بِالاِسْتِيلاَءِ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ. وَقَالُوا: لأَِنَّ الْقَهْرَ سَبَبٌ يَمْلِكُ بِهِ الْمُسْلِمُ مَال الْكَافِرِ، فَمَلَكَ بِهِ الْكَافِرُ مَال الْمُسْلِمِ كَالْبَيْعِ، وَلأَِنَّ الاِسْتِيلاَءَ سَبَبُ الْمِلْكِ فَيَثْبُتُ قَبْل الْحِيَازَةِ إِلَى الدَّارِ، كَاسْتِيلاَءِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَال الْكُفَّارِ، وَلأَِنَّ مَا كَانَ سَبَبًا
__________
(1) المصدر السابق، المغني 8 / 434.
(2) بدائع الصنائع 7 / 227 - 228، المبسوط م 5 ج 10 / 52.
لِلْمِلْكِ أَثْبَتَ الْمِلْكَ حَيْثُ وُجِدَ، كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ (1) .
وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ، اخْتِلاَفُهُمْ فِي حُكْمِ مَا اسْتَوْلَى عَلَيْهِ أَهْل دَارِ الْحَرْبِ مِنْ أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ اسْتَرَدَّهُ الْمُسْلِمُونَ، فَمَنْ رَأَى أَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ أَمْوَال الْمُسْلِمِينَ: يَرَى أَنَّهُ إِذَا وَجَدَهُ مَالِكُهُ الْمُسْلِمُ أَوِ الذِّمِّيُّ قَبْل الْقِسْمَةِ أَخَذَهُ بِدُونِ رَدِّ قِيمَتِهِ، أَمَّا إِذَا وَجَدَهُ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُهُ بِقِيمَتِهِ. وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَهُ: يَرَى أَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا وَجَدَ مَالَهُ فِي الْغَنِيمَةِ أَخَذَهُ قَبْل الْقِسْمَةِ وَبَعْدَ الْقِسْمَةِ بِلاَ رَدِّ شَيْءٍ (2) .
قَضَاءُ الْقَاضِي الْمُسْلِمِ فِي مُنَازَعَاتٍ حَدَثَتْ أَسْبَابُهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ:
11 - إِذَا دَخَل مُسْلِمٌ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، وَأَخَذَ مَالاً مِنْ حَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ مُضَارَبَةً، أَوْ وَدِيعَةً، أَوْ بِشِرَاءٍ أَوْ بِبَيْعٍ فِي الذِّمَّةِ أَوْ قَرْضٍ، فَالثَّمَنُ فِي ذِمَّتِهِ، عَلَيْهِ أَدَاؤُهُ إِلَيْهِ بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَإِذَا خَرَجَ الْحَرْبِيُّ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ مُسْتَأْمَنًا قَضَى الْقَاضِي عَلَى الْمُسْلِمِ بِمَالِهِ كَمَا يَقْضِي بِهِ لِلْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، لأَِنَّ الْحُكْمَ جَارٍ عَلَى الْمُسْلِمِ حَيْثُ كَانَ، لاَ نُزِيل
__________
(1) المغني 8 / 434، الإنصاف 4 / 162، المدونة 2 / 12، الخرشي 3 / 138.
(2) المصادر السابقة، الأم للشافعي 4 / 283.
الصفحة 213