كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 20)
الْحَقَّ عَنْهُ بِأَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ. كَمَا لاَ تَزُول الصَّلاَةُ عَنْهُ بِأَنْ يَكُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَكَذَلِكَ إِنِ اقْتَرَضَ حَرْبِيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ مَالاً ثُمَّ دَخَل إِلَيْنَا فَأَسْلَمَ، فَعَلَيْهِ الْبَدَل وَيُقْضَى عَلَيْهِ لاِلْتِزَامِهِ بِعَقْدٍ (1) .
أَمَّا إِنْ أَتْلَفَ عَلَيْهِ مَالَهُ أَوْ غَصَبَهُ مِنْهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَقَدِمَا إِلَيْنَا بِإِسْلاَمٍ، أَوْ أَمَانٍ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ شَيْئًا، وَالإِْتْلاَفُ لَيْسَ عَقْدًا يُسْتَدَامُ، وَلأَِنَّ مَال الْحَرْبِيِّ لاَ يَزِيدُ عَلَى مَال الْمُسْلِمِ، وَهُوَ لاَ يُوجِبُ الضَّمَانَ عَلَى الْحَرْبِيِّ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَضْمَنَ (2) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَيْسَ لِلْقَاضِي الْمُسْلِمِ الْقَضَاءُ مِنْ حَرْبِيَّيْنِ إِذَا خَرَجَا إِلَيْنَا مُسْتَأْمَنَيْنِ، لأَِنَّ الْمُدَايَنَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَقَعَتْ هَدَرًا لاِنْعِدَامِ وِلاَيَتِنَا عَلَيْهِمْ. أَمَّا لَوْ خَرَجَا إِلَيْنَا مُسْلِمَيْنِ فَإِنَّهُ يَقْضِي بَيْنَهُمَا لِثُبُوتِ الْوِلاَيَةِ، أَمَّا فِي الْغَصْبِ وَالإِْتْلاَفِ فَلاَ يَقْضِي، وَإِنْ خَرَجَا إِلَيْنَا مُسْلِمَيْنِ (3) .
عِصْمَةُ الأَْنْفُسِ وَالأَْمْوَال فِي دَارِ الْحَرْبِ:
12 - الأَْصْل أَنَّ أَمْوَال أَهْل الْحَرْبِ وَدِمَاءَهُمْ
__________
(1) الأم للشافعي 4 / 288، كشاف القناع 3 / 109، مغني المحتاج 4 / 230.
(2) مغني المحتاج 4 / 230، والمغني 8 / 483 ط الرياض.
(3) بدائع الصنائع 7 / 132 - 133.
مُبَاحَةٌ لاَ عِصْمَةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلِلْمُسْلِمِينَ الاِسْتِيلاَءُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِشَتَّى الطُّرُقِ، لأَِنَّهُمْ يَسْتَبِيحُونَ دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَلَكِنْ ذَكَرُوا حَالاَتٍ تُثْبِتُ لأَِنْفُسِهِمْ وَلأَِمْوَالِهِمُ الْعِصْمَةَ وَهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ، مِنْهَا:
13 - أ - إِذَا دَخَل الْمُسْلِمُ دَارَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ أَوْ بِأَسْرٍ، وَائْتَمَنُوهُ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ لَمْ يَحِل لَهُ خِيَانَتُهُمْ فِي شَيْءٍ، لأَِنَّهُمْ أَعْطَوْهُ الأَْمَانَ مَشْرُوطًا بِتَرْكِهِ خِيَانَتَهُمْ، وَأَمْنِهِ إِيَّاهُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي اللَّفْظِ، فَهُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَعْنَى، فَلَمْ يَحِل لَهُ خِيَانَتُهُمْ، لأَِنَّهُ غَدْرٌ، وَلاَ يَصْلُحُ الْغَدْرُ فِي الإِْسْلاَمِ، فَإِنْ سَرَقَ مِنْهُمْ شَيْئًا أَوْ غَصَبَ، وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى أَرْبَابِهِ، فَإِنْ جَاءَ أَرْبَابُهُ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ بِأَمَانٍ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَإِلاَّ بَعَثَ بِهِ إِلَيْهِمْ، لأَِنَّهُ أَخَذَهُ عَلَى وَجْهٍ مُحَرَّمٍ فَلَزِمَهُ رَدُّهُ، كَمَا لَوْ أَخَذَ مَال مُسْلِمٍ (1) .
وَإِذَا أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ فِي دَارِ الْحَرْبِ حُقِنَ دَمُهُ، وَأَحْرَزَ مَالَهُ وَأَوْلاَدَهُ الصِّغَارَ مِنَ السَّبْيِ، فَإِذَا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ عَمْدًا اقْتُصَّ مِنْهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَإِنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ لِعُمُومِ الأَْدِلَّةِ فِي عِصْمَةِ دَمِ الْمُسْلِمِ وَمَالِهِ
__________
(1) البدائع 7 / 133، والخرشي 2 / 116، والأم للشافعي 4 / 248 - 249، ومغني المحتاج 4 / 239، والمغني لابن قدامة 8 / 458.
الصفحة 214