كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 20)

أ - قِسْمٌ يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الأَْرَاضِي لَنَا، وَنُقِرُّهَا بِأَيْدِيهِمْ بِخَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ لَنَا. فَهَذَا الصُّلْحُ صَحِيحٌ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَيَكُونُ الْخَرَاجُ الَّذِي يُؤَدُّونَهُ أُجْرَةً لاَ يَسْقُطُ بِإِسْلاَمِهِمْ، وَيُؤْخَذُ خَرَاجُهَا إِذَا انْتَقَلَتْ إِلَى مُسْلِمٍ، وَهُمْ يَصِيرُونَ أَهْل عَهْدٍ. وَالدَّارُ دَارُ إِسْلاَمٍ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَتَصَرَّفُوا فِيهَا بِالْبَيْعِ، أَوِ الرَّهْنِ، فَإِنْ دَفَعُوا الْجِزْيَةَ عَنْ رِقَابِهِمْ جَازَ إِقْرَارُهُمْ عَلَى التَّأْبِيدِ، وَإِنْ مَنَعُوا الْجِزْيَةَ لَمْ يُجْبَرُوا عَلَيْهَا، وَلَمْ يُقَرُّوا فِيهَا إِلاَّ الْمُدَّةَ الَّتِي يُقَرُّ فِيهَا أَهْل الْهُدْنَةِ (1) .
ب - وَقِسْمٌ يُشْتَرَطُ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ مَعَهُمْ أَنْ تَكُونَ الأَْرْضُ لَهُمْ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِهِ.
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ عَقْدٌ صَحِيحٌ، وَالْخَرَاجُ الَّذِي يُؤَدُّونَهُ فِي حُكْمِ الْجِزْيَةِ مَتَى أَسْلَمُوا يَسْقُطُ عَنْهُمْ، وَلاَ تَصِيرُ الدَّارُ دَارَ إِسْلاَمٍ، وَتَكُونُ دَارَ عَهْدٍ وَلَهُمْ بَيْعُهَا، وَرَهْنُهَا، وَإِذَا انْتَقَلَتْ إِلَى مُسْلِمٍ لَمْ يُؤْخَذْ خَرَاجُهَا، وَيُقَرُّونَ فِيهَا مَا أَقَامُوا عَلَى الْعَهْدِ، وَلاَ تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ، لأَِنَّهُمْ فِي غَيْرِ دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَلَهُمْ إِحْدَاثُ كَنِيسَةٍ فِيهَا، لأَِنَّ الأَْرْضَ لَهُمْ وَلَيْسَتْ دَارَ إِسْلاَمٍ فَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا كَيْفَ شَاءُوا، وَلاَ يُمْنَعُونَ مِنْ إِظْهَارِ شَعَائِرِهِمْ فِيهَا كَالْخَمْرِ،
__________
(1) الأحكام السلطانية للماوردي ص 138، الأم للشافعي 4 / 182، المغني 8 / 526، كشاف القناع 3 / 95، الخرشي م 2 ج 3 / 147.
وَالْخِنْزِيرِ، وَضَرْبِ النَّاقُوسِ، وَلاَ يُمْنَعُونَ إِلاَّ مِمَّا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ كَإِيوَاءِ جَاسُوسٍ، وَنَقْل أَخْبَارِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى الأَْعْدَاءِ، وَسَائِرِ مَا يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. وَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يَمْنَعَ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُمْ (1) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا عُقِدَ الْعَهْدُ مَعَ الْكُفَّارِ عَلَى أَنْ تُجْرَى فِي دَارِهِمْ أَحْكَامُ الإِْسْلاَمِ صَارَتْ دَارُهُمْ بِالصُّلْحِ دَارَ إِسْلاَمٍ، وَصَارُوا أَهْل ذِمَّةٍ تُؤْخَذُ جِزْيَةُ رِقَابِهِمْ، وَإِذَا طَلَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْل الْحَرْبِ الْمُوَادَعَةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ سِنِينَ مَعْلُومَةً عَلَى أَنْ يُؤَدُّوا الْخَرَاجَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ لاَ تَجْرِيَ أَحْكَامُ الإِْسْلاَمِ عَلَيْهِمْ فِي دَارِهِمْ لَمْ يُقْبَل مِنْهُمْ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا رَأَى الإِْمَامُ مَصْلَحَةً فِي عَقْدِ الْعَهْدِ مَعَهُمْ بِهَذَا الشَّرْطِ جَازَ بِشَرْطِ الضَّرُورَةِ، وَهِيَ ضَرُورَةُ الاِسْتِعْدَادِ لِلْقِتَال بِأَنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ وَبِالْكَفَرَةِ قُوَّةُ الْمُجَاوَزَةِ إِلَى قَوْمٍ آخَرِينَ، فَلاَ تَجُوزُ عِنْدَ عَدَمِ الضَّرُورَةِ، لأَِنَّ الْمُوَادَعَةَ تَرْكُ الْقِتَال الْمَفْرُوضِ، فَلاَ يَجُوزُ إِلاَّ فِي حَالٍ يَقَعُ وَسِيلَةً إِلَى الْقِتَال، لأَِنَّهَا حِينَئِذٍ تَكُونُ قِتَالاً مَعْنًى، قَال اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَْعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ} (2) وَعِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ لاَ بَأْسَ بِهِ، لِقَوْل اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَإِنْ جَنَحُوا
__________
(1) المصادر السابقة، ومغني المحتاج 4 / 254.
(2) سورة محمد / 35.

الصفحة 218