كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 20)
أَكْرَم عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَل مِنَ الدُّعَاءِ. (1)
وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا عَلَى الأَْرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إِلاَّ آتَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ. (2)
وَقَال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَلُوا اللَّهَ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يُسْأَل، وَأَفْضَل الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ. (3)
أَثَرُ الدُّعَاءِ:
7 - الدُّعَاءُ عِبَادَةٌ، وَلَهُ أَثَرٌ بَالِغٌ وَفَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَمْ يَأْمُرْنَا الْحَقُّ عَزَّ وَجَل بِالدُّعَاءِ وَلَمْ يَرْغَبِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ، فَكَمْ رُفِعَتْ مِحْنَةٌ بِالدُّعَاءِ، وَكَمْ مِنْ مُصِيبَةٍ أَوْ كَارِثَةٍ كَشَفَهَا اللَّهُ بِالدُّعَاءِ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ جُمْلَةً مِنَ الأَْدْعِيَةِ اسْتَجَابَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ النَّصْرِ فِي بَدْرٍ دُعَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
__________
(1) حديث: " ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ". أخرجه الترمذي (5 / 455 - ط الحلبي) وقال ابن القطان: " رواته كلهم ثقات، وما موضع في إسناده ينظر فيه إلا عمران، وفيه خلاف " كذا في فيض القدير (5 / 366 ط المكتبة التجارية) .
(2) حديث: " ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة " أخرجه الترمذي (5 / 566 - ط الحلبي) من حديث عبادة بن الصامت، وقال: " حسن صحيح ".
(3) حديث: " سلوا الله تعالى من فضله " أخرجه الترمذي (5 / 565 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود، وقال الترمذي: " هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث، وليس بالحافظ " وانظر إتحاف السادة المتقين مع الإحياء 5 / 30
وَالدُّعَاءُ سَبَبٌ أَكِيدٌ لِغُفْرَانِ الْمَعَاصِي، وَلِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَلِجَلْبِ الْخَيْرِ وَدَفْعِ الشَّرِّ.
وَمَنْ تَرَكَ الدُّعَاءَ فَقَدْ سَدَّ عَلَى نَفْسِهِ أَبْوَابًا كَثِيرَةً مِنَ الْخَيْرِ.
وَقَال الْغَزَالِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا فَائِدَةُ الدُّعَاءِ وَالْقَضَاءُ لاَ مَرَدَّ لَهُ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ الْقَضَاءِ رَدُّ الْبَلاَءِ بِالدُّعَاءِ، فَالدُّعَاءُ سَبَبٌ لِرَدِّ الْبَلاَءِ وَاسْتِجْلاَبِ الرَّحْمَةِ، كَمَا أَنَّ التُّرْسَ سَبَبٌ لِرَدِّ السِّهَامِ، وَالْمَاءُ سَبَبٌ لِخُرُوجِ النَّبَاتِ مِنَ الأَْرْضِ، فَكَمَا أَنَّ التُّرْسَ يَدْفَعُ السَّهْمَ فَيَتَدَافَعَانِ، فَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ وَالْبَلاَءُ يَتَعَالَجَانِ.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الاِعْتِرَافِ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لاَ يُحْمَل السِّلاَحُ، وَقَدْ قَال تَعَالَى: {وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} (1) ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لاَ يَسْقِيَ الأَْرْضَ بَعْدَ بَثِّ الْبَذْرِ، فَيُقَال: إِنْ سَبَقَ الْقَضَاءُ بِالنَّبَاتِ نَبَتَ الْبَذْرُ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ لَمْ يَنْبُتْ، بَل رَبْطُ الأَْسْبَابِ بِالْمُسَبَّبَاتِ هُوَ الْقَضَاءُ الأَْوَّل الَّذِي هُوَ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ، وَتَرْتِيبُ تَفْصِيل الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى تَفَاصِيل الأَْسْبَابِ عَلَى التَّدْرِيجِ وَالتَّقْدِيرُ هُوَ الْقَدَرُ، وَالَّذِي قَدَّرَ الْخَيْرَ قَدَّرَهُ بِسَبَبٍ، وَالَّذِي قَدَّرَ الشَّرَّ قَدَّرَ لِرَفْعِهِ سَبَبًا، فَلاَ تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذِهِ الأُْمُورِ عِنْدَ مَنِ انْفَتَحَتْ بَصِيرَتُهُ.
__________
(1) سورة النساء / 102
الصفحة 259