كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 20)

وَإِمَّا لِلضَّرُورَةِ: كَمَا فِي قَوْل الأُْمَنَاءِ فِي تَلَفِ الأَْمَانَاتِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ، فَإِنَّهُ يُقْبَل مَعَ أَنَّ الأَْصْل عَدَمُهُ، لأَِنَّهُ أَمْرٌ عَارِضٌ، وَإِنَّمَا قُبِل كَيْلاَ يَزْهَدَ النَّاسُ فِي قَبُول الأَْمَانَاتِ، فَتَفُوتُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةُ. (1) وَكَمَا فِي قَوْل الْغَاصِبِ بِتَلَفِ الْمَغْصُوبِ، فَإِنَّهُ يُقْبَل مَعَ يَمِينِهِ، لِلضَّرُورَةِ، وَيُعْتَبَرُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، إِذْ لَوْ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ، وَاعْتُبِرَ مُدَّعِيًا لَكَانَ مَصِيرُهُ الْخُلُودَ فِي السِّجْنِ. (2)
ثَانِيًا: ذَهَبَ مُعْظَمُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُدَّعِيَ هُوَ: مَنْ يَلْتَمِسُ خِلاَفَ الظَّاهِرِ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ: مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالظَّاهِرِ. (3) وَالظَّاهِرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ نَوْعَانِ: ظَاهِرٌ بِنَفْسِهِ، وَظَاهِرٌ بِغَيْرِهِ، وَيُطْلِقُونَ كَثِيرًا لَفْظَ " الأَْصْل " عَلَى النَّوْعِ الأَْوَّل، وَإِذَا ذَكَرُوا الظَّاهِرَ فِي مُقَابَلَةِ الأَْصْل كَانَ الْمَقْصُودُ بِهِ النَّوْعَ الثَّانِيَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ بِغَيْرِهِ. وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ الَّذِي ذَكَرُوهُ فِي التَّعْرِيفِ الْمُتَقَدِّمِ لِلْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ يُقْصَدُ بِهِ النَّوْعَانِ جَمِيعًا.
__________
(1) تهذيب الفروق 4 / 122 بهامش الفروق - مطبعة عيسى الحلبي بمصر - الطبعة الأولى 1346 هـ.
(2) تبصرة الحكام 1 / 126
(3) الوجيز للغزالي 2 / 260 - مطبعة الآداب 1317 هـ، المنهاج ومغني المحتاج 4 / 464 طبع الحلبي 1377هـ، قواعد الأحكام 2 / 32 - دار الشرق للطباعة بالقاهرة 1388هـ، شرح المحلي 4 / 336 مطبعة مصطفى الحلبي 1956م، حاشية الباجوري 2 / 401 مطبعة السعادة - الطبعة الأولى 1910 م
وَالظَّاهِرُ بِنَفْسِهِ هُوَ أَقْوَى أَنْوَاعِ الظَّاهِرِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مُسْتَفَادًا مِنَ الأُْصُول، كَالظَّاهِرِ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْبَرَاءَةِ الأَْصْلِيَّةِ: بَرَاءَةِ الذِّمَمِ مِنَ الْحُقُوقِ، وَالأَْجْسَادِ مِنَ الْعُقُوبَاتِ وَبَرَاءَةِ الإِْنْسَانِ مِنَ الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال جَمِيعِهَا. (1)
وَالظَّاهِرُ بِغَيْرِهِ عِنْدَهُمْ هُوَ مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْعُرْفِ وَالْعَوَائِدِ، أَوْ مِنَ الْقَرَائِنِ وَدَلاَئِل الْحَال.
وَإِذَا تَعَارَضَ الظَّاهِرُ بِنَفْسِهِ مَعَ الظَّاهِرِ بِغَيْرِهِ فَغَالِبًا مَا يُقَدِّمُ الشَّافِعِيَّةُ الأَْوَّل، وَيَكُونُ الَّذِي يَدَّعِي خِلاَفَهُ مُدَّعِيًا يُكَلَّفُ بِالْبَيِّنَةِ إِنْ لَمْ يُقِرَّ خَصْمُهُ، وَالآْخَرُ مُدَّعًى عَلَيْهِ، وَمِثَال ذَلِكَ: أَنَّ الْمَرْأَةَ لَوِ ادَّعَتْ عَلَى زَوْجِهَا الْحَاضِرِ أَنَّهُ لاَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا، فَالأَْصْل يَقْضِي بِعَدَمِ الإِْنْفَاقِ، وَالظَّاهِرُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ قَرَائِنِ الْحَال يَقْضِي بِأَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهَا، وَالشَّافِعِيَّةُ يُقَدِّمُونَ الأَْوَّل عَلَى الثَّانِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَيَكُونُ الْقَوْل قَوْل الْمَرْأَةِ، وَالْبَيِّنَةُ عَلَى الزَّوْجِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ، حَيْثُ يَجْعَلُونَ الْمَرْأَةَ مُدَّعِيَةً، وَالزَّوْجُ مُدَّعًى عَلَيْهِ. (2)
أَمَّا إِذَا تَعَارَضَ ظَاهِرَانِ فِي قُوَّةٍ وَاحِدَةٍ، كَأَنْ
__________
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 70 - 71 - طبع مكة 1331 هـ، وقواعد الأحكام 2 / 32، مغني المحتاج 4 / 464 طبع الحلبي 1377 هـ
(2) لب اللباب ص 255 - المطبعة التونسية بتونس 1346 هـ

الصفحة 275