كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 20)
بَطَل أَثَرُهُ بِتَكْذِيبِ الْحَاكِمِ لَهُ. (1)
هَذَا وَقَدْ قَرَّرَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ التَّنَاقُضَ يُغْتَفَرُ فِي الدَّعْوَى فِي الْمَسَائِل الَّتِي تَخْفَى أَسْبَابُهَا مِثْل مَسَائِل النَّسَبِ وَبَعْضِ الْمَسَائِل الْمُتَعَلِّقَةِ بِالطَّلاَقِ وَغَيْرِهَا. (2)
مَا يَرْتَفِعُ بِهِ التَّنَاقُضُ.
35 - يَرْتَفِعُ التَّنَاقُضُ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بِأَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ هُمَا: التَّوْفِيقُ الْفِعْلِيُّ بَيْنَ الْمُتَنَاقِضَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الإِْشَارَةُ إِلَى ذَلِكَ، وَتَصْدِيقُ الْخَصْمِ. فَلَوْ أَنَّ شَخْصًا ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَلْفَ دِينَارٍ بِسَبَبِ الْقَرْضِ، ثُمَّ ادَّعَاهُ عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْكَفَالَةِ، فَصَدَّقَهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ بِالرَّغْمِ مِنْ تَنَاقُضِهِ. (3)
هَذَا وَقَدْ قَرَّرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ التَّنَاقُضَ يُغْتَفَرُ فِيمَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الْخَفَاءِ.
فَفِي مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ (م 1655) : " يُعْفَى عَنِ التَّنَاقُضِ إِذَا ظَهَرَتْ مَعْذِرَةُ الْمُدَّعِي وَكَانَ مَحَل خَفَاءٍ ".
وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ مَا أَفْتَى بِهِ فِي الْحَامِدِيَّةِ مِنْ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ زَيْدٌ عَنْ وَرَثَةٍ بَالِغِينَ، وَخَلَّفَ حِصَّتَهُ
__________
(1) جامع الفصولين 1 / 140، تكملة حاشية ابن عابدين 7 / 18
(2) بدائع الصنائع 6 / 224، درر الحكام 2 / 256، الفواكه البدرية ص 100، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 87، جامع الفصولين 1 / 135 - 136
(3) الدر المختار مع التكملة 7 / 17 - 18
مِنْ دَارٍ، وَصَدَّقَ الْوَرَثَةُ أَنَّ بَقِيَّةَ الدَّارِ لِفُلاَنٍ وَفُلاَنٍ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ مُوَرِّثَهُمُ الْمَذْكُورَ اشْتَرَى بَقِيَّةَ الدَّارِ مِنْ وَرَثَةِ فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ فِي حَال صِغَرِ الْمُصَدِّقِينَ، وَأَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، تُسْمَعُ دَعْوَاهُمْ، لأَِنَّ هَذَا تَنَاقُضٌ فِي مَحَل الْخَفَاءِ فَيَكُونُ عَفْوًا.
وَمِنْ ذَلِكَ دَعْوَى النَّسَبِ أَوِ الطَّلاَقِ، لأَِنَّ النَّسَبَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَمْرٍ خَفِيٍّ وَهُوَ الْعُلُوقُ، إِذْ هُوَ مِمَّا يَغْلِبُ خَفَاؤُهُ عَلَى النَّاسِ، فَالتَّنَاقُضُ فِي مِثْلِهِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَالطَّلاَقُ يَنْفَرِدُ بِهِ الزَّوْجُ.
وَمِنْ ذَلِكَ: الْمَدِينُ بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ لَوْ بَرْهَنَ عَلَى إِبْرَاءِ الدَّائِنِ لَهُ. وَالْمُخْتَلِعَةُ بَعْدَ أَدَاءِ بَدَل الْخُلْعِ لَوْ بَرْهَنَتْ عَلَى طَلاَقِ الزَّوْجِ قَبْل الْخُلْعِ. (1) وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَهَكَذَا كُل مَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى الْخَفَاءِ فَإِنَّهُ يُعْفَى فِيهِ عَنِ التَّنَاقُضِ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا أَفْتَى فِي الْحَامِدِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل الأَْكْثَرِينَ مِنْ فُقَهَاءِ مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَدْ نَقَل الْحَطَّابُ عَنِ الْقَرَافِيِّ أَنَّهُ: إِذَا أَقَرَّ الْوَارِثُ أَنَّ مَا تَرَكَهُ أَبُوهُ مِيرَاثٌ بَيْنَ الْوَرَثَةِ عَلَى مَا عُهِدَ فِي الشَّرِيعَةِ وَعَلَى مَا تُحْمَل عَلَيْهِ الدِّيَانَةُ، ثُمَّ جَاءَ بِشُهُودٍ أَخْبَرُوهُ أَنَّ أَبَاهُ أَشْهَدَهُمْ أَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ فِي صِغَرِهِ بِهَذِهِ الدَّارِ
__________
(1) مجلة الأحكام وشرحها للأتاسي 5 / 144 - 145، ودرر الحكام 4 / 228، وتنقيح الفتاوى الحامدية 2 / 29 - 30 و 175، والزيلعي وهامشه 4 / 99 - 100، والبدائع 6 / 224
الصفحة 290