كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 20)
وَحَازَهَا لَهُ، أَوْ أَقَرَّ الأَْبُ أَنَّهُ مَلَكَهَا عَلَيْهِ بِوَجْهٍ شَرْعِيٍّ، فَإِنَّهُ إِذَا رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ بِأَنَّ التَّرِكَةَ كُلَّهَا مَوْرُوثَةٌ إِلاَّ هَذِهِ الدَّارَ الْمَشْهُودَ لَهُ بِهَا دُونَ الْوَرَثَةِ وَاعْتَذَرَ بِإِخْبَارِ الْبَيِّنَةِ لَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا، بِذَلِكَ بَل أَقَرَّ بِنَاءً عَلَى الْعَادَةِ وَمُقْتَضَى ظَاهِرِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّهُ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ وَيُقْبَل عُذْرُهُ وَيُقِيمُ بَيِّنَتَهُ، وَلاَ يَكُونُ إِقْرَارُهُ السَّابِقُ مُكَذِّبًا لِلْبَيِّنَةِ وَقَادِحًا فِيهَا، لأَِنَّ هَذَا عُذْرٌ عَادِيٌّ يُسْمَعُ مِثْلُهُ.
وَنُقِل عَنْ سَحْنُونَ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ. (1)
وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْبَيِّنَةَ تُقْبَل لِلْعُذْرِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ لاَ تُقْبَل لِلْمُنَاقَضَةِ. (2)
وَهَذَا عَلَى مَا جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ وَالْقَلْيُوبِيِّ.
وَفِي حَوَاشِي الشِّرْوَانِيِّ وَابْنِ قَاسِمٍ عَلَى تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ: لَوْ أَقَرَّ مَدِينٌ لآِخَرَ، ثُمَّ ادَّعَى أَدَاءَهُ إِلَيْهِ وَأَنَّهُ نَسِيَ ذَلِكَ حَالَةَ الإِْقْرَارِ سُمِعَتْ دَعْوَاهُ لِلتَّحْلِيفِ فَقَطْ. فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِالأَْدَاءِ قُبِلَتْ عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُهُمْ لاِحْتِمَال مَا قَالَهُ، فَلاَ تَنَاقُضَ، كَمَا لَوْ قَال: لاَ بَيِّنَةَ لِي، ثُمَّ أَتَى بِبَيِّنَةٍ تُسْمَعُ. (3)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ بَعْدَ الإِْنْكَارِ، فَمَنِ ادُّعِيَ عَلَيْهِ بِحَقٍّ فَأَنْكَرَهُ، ثُمَّ ثَبَتَ عَلَيْهِ الْحَقُّ فَادَّعَى الْقَضَاءَ أَوْ إِبْرَاءَ الْمُدَّعِي لَهُ سَابِقًا
__________
(1) الحطاب 5 / 223، والفروق للقرافي 4 / 38
(2) نهاية المحتاج 8 / 250، وقليوبي 4 / 305
(3) حواشي الشرواني وابن قاسم على تحفة المحتاج 5 / 399
عَلَى زَمَنِ إِنْكَارِهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَيْهِ أَلْفًا مِنْ قَرْضٍ أَوْ ثَمَنِ مَبِيعٍ فَقَال: مَا اقْتَرَضْتُ مِنْهُ وَمَا اشْتَرَيْتُ مِنْهُ، فَثَبَتَ أَنَّهُ اقْتَرَضَ أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ فَقَال: قَضَيْتُهُ أَوْ أَبْرَأَنِي قَبْل هَذَا الْوَقْتِ، لَمْ يُقْبَل مِنْهُ ذَلِكَ وَإِنْ أَقَامَ بِهِ بَيِّنَةً، لأَِنَّ إِنْكَارَ الْحَقِّ يَقْتَضِي نَفْيَ الْقَضَاءِ أَوِ الإِْبْرَاءَ مِنْهُ، لأَِنَّهُمَا لاَ يَكُونَانِ إِلاَّ عَنْ حَقٍّ سَابِقٍ، فَيَكُونُ مُكَذِّبًا لِنَفْسِهِ. (1)
36 - الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الدَّعْوَى بِتَعْبِيرَاتٍ جَازِمَةٍ وَقَاطِعَةٍ وَلاَ تَرَدُّدَ فِيهَا، فَلاَ تَصِحُّ الدَّعْوَى بِنَحْوِ: أَشُكُّ أَوْ أَظُنُّ أَنَّ لِي عَلَى فُلاَنٍ مَبْلَغَ كَذَا، أَوْ أَنَّهُ غَصَبَ مِنِّي دَابَّتِي. (2)
وَقَدِ اسْتُثْنِيَ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ دَعَاوَى الاِتِّهَامِ (الدَّعَاوَى الْجِنَائِيَّةُ) ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِالأَْلْفَاظِ الْمُتَرَدِّدَةِ، فَإِذَا قَال: أَتَّهِمُهُ بِسَرِقَةِ دِينَارٍ مَثَلاً، فَإِنَّ دَعْوَاهُ تُسْمَعُ، لأَِنَّ دَعَاوَى الاِتِّهَامِ تَرْجِعُ فِي أَسَاسِهَا إِلَى الشَّكِّ وَالظَّنِّ. (3)
37 - الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَذْكُرَ الْمُدَّعِي فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ يُطَالِبُ بِالْحَقِّ الَّذِي يَدَّعِيهِ: وَهَذَا الشَّرْطُ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ، وَفِي مُعْظَمِ الْمَذَاهِبِ قَوْلاَنِ بِخُصُوصِهِ. الرَّاجِحُ مِنْهُمَا: عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ، وَالاِكْتِفَاءُ بِدَلاَلَةِ الْحَال. وَاشْتَرَطَهُ أَصْحَابُ
__________
(1) شرح منتهى الإرادات 3 / 493، والمغني 9 / 236 - 237
(2) حاشية الدسوقي 4 / 144، لب اللباب ص 255
(3) حاشية الدسوقي 4 / 144
الصفحة 291