كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 20)

الْمُدَّعِي نَفْسِهَا، وَمِثَالُهُ: أَنْ يَدَّعِيَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الْعَيْنِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ وَقَبَضَهَا، أَوْ أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ وَقَبَضَهَا، أَوْ أَيَّ سَبَبٍ شَرْعِيٍّ لاِنْتِقَالِهَا إِلَى يَدِهِ. (1)
الثَّانِي: الدَّفْعُ الَّذِي يُقْصَدُ بِهِ دَفْعُ الْخُصُومَةِ عَنِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِدُونِ تَعَرُّضٍ لِصِدْقِ الْمُدَّعِي أَوْ كَذِبِهِ فِي دَعْوَاهُ، وَهُوَ مَا يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ بِدَفْعِ الْخُصُومَةِ، وَمِثَالُهُ: أَنْ يَدْفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي دَعْوَى الْعَيْنِ بِأَنَّ يَدَهُ عَلَى الشَّيْءِ لَيْسَتْ يَدَ خُصُومَةٍ، وَإِنَّمَا يَدُ حِفْظٍ، كَأَنْ يَدَّعِيَ بِأَنَّهُ مُسْتَعِيرٌ لِهَذِهِ الْعَيْنِ أَوْ مُسْتَأْجِرٌ لَهَا، أَوْ أَنَّهَا مُودَعَةٌ عِنْدَهُ أَوْ مَرْهُونَةٌ لَدَيْهِ، فَإِذَا أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ، فَإِنَّ الْخُصُومَةَ تَنْدَفِعُ عَنْهُ. (2)
وَمَحَل هَذَا الدَّفْعِ أَنْ يَكُونَ الْمُدَّعِي يَدَّعِي عَلَى خَصْمِهِ مِلْكًا مُطْلَقًا، فَإِنْ كَانَ يَدَّعِي عَلَيْهِ فِعْلاً، كَغَصْبٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ سَرِقَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُقْبَل مَا تَقَدَّمَ، لأَِنَّ الْخَصْمَ فِي دَعْوَى الْفِعْل هُوَ الَّذِي يُدَّعَى عَلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَهُ، وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى يَدِهِ. (3)
وَمِنْ صُوَرِ دَفْعِ الْخُصُومَةِ أَنْ يَدْفَعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُدَّعِيَ قَدْ أَبْرَأَهُ مِنَ الدَّعْوَى أَوْ مِنَ
__________
(1) المنهاج وشرح المحلي، حاشية قليوبي 4 / 337
(2) البدائع 6 / 231، تحفة المحتاج 10 / 309، غاية المنتهى 3 / 458
(3) البدائع 6 / 231
الْخُصُومَةِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ هَذَا الإِْبْرَاءَ، فَإِنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ يَدْفَعُ الْخُصُومَةَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤَثِّرَ عَلَى الْحَقِّ ذَاتِهِ، وَلِذَلِكَ قَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ الدَّفْعَ بِالإِْبْرَاءِ مِنَ الدَّعْوَى لاَ يَتَضَمَّنُ إِقْرَارًا بِالْحَقِّ الْمُدَّعَى، حَتَّى لَوْ عَجَزَ الدَّافِعُ عَنْ إِثْبَاتِ دَفْعِهِ جَازَ لَهُ دَفْعُ الدَّعْوَى بِأَيِّ دَفْعٍ آخَرَ مِنْ إِبْرَاءٍ مِنَ الْحَقِّ أَوْ قَضَاءٍ أَوْ حَوَالَةٍ وَنَحْوِهِ. وَهَذَا الدَّفْعُ أَجَازَهُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى بُطْلاَنِهِ. (1)
وَمِنْ صُوَرِهِ أَيْضًا دَفْعُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِنُقْصَانِ أَهْلِيَّتِهِ أَوْ بِنُقْصَانِ أَهْلِيَّةِ خَصْمِهِ الْمُدَّعِي، فَلَوْ رُفِعَتِ الدَّعْوَى عَلَى نَاقِصِ الأَْهْلِيَّةِ فَقَال: أَنَا صَبِيٌّ، وَقَفَتِ الْخُصُومَةُ حَتَّى يَبْلُغَ. (2)
وَالنَّوْعُ الأَْوَّل مِنَ الدُّفُوعِ يَصِحُّ إِيرَادُهُ فِي أَيَّةِ مَرْحَلَةٍ تَكُونُ عَلَيْهَا الدَّعْوَى قَبْل إِصْدَارِ الْحُكْمِ بِلاَ خِلاَفٍ، فَيَصِحُّ قَبْل الْبَيِّنَةِ، كَمَا يَصِحُّ بَعْدَهَا. وَأَمَّا بَعْدَ الْحُكْمِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى صِحَّتِهِ إِذَا تَضَمَّنَ إِبْطَال الْحُكْمِ. وَلَمْ يُمْكِنِ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدَّعْوَى الأَْصْلِيَّةِ. (3) وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ
__________
(1) البحر الرائق 7 / 203، الوجيز للغزالي 2 / 261، تحفة المحتاج 10 / 301، شرح المحلي 4 / 341، كشاف القناع 4 / 233، الفروع 3 / 828
(2) شرح المحلي على المنهاج 4 / 341
(3) قرة عيون الأخيار 2 / 457، 2 / 26 - 27، البحر الرائق 7 / 230 - 231، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 89، تبصرة الحكام 1 / 80

الصفحة 316