كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 20)

فَلَيْسَتْ خَاصَّةً بِالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ بَلَغُوا فِي الْعِلْمِ الْمَرَاتِبَ الْعَالِيَةَ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي عَالِمًا بِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ (1) . وَقَوْلِهِ:
بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً (2) وَقَال بَعْدَ أَنْ خَطَبَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ. (3)
فَالْمُسْلِمُ يَدْعُو إِلَى أَصْل الإِْسْلاَمِ، وَإِلَى أَصْل الأُْمُورِ الظَّاهِرَةِ مِنْهُ كَالإِْيمَانِ بِاللَّهِ، وَمَلاَئِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَالْيَوْمِ الآْخِرِ، وَكَفِعْل الصَّلاَةِ، وَأَدَاءِ الزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِلَى نَحْوِ تَرْكِ الْمَعَاصِي الظَّاهِرَةِ مِنَ الزِّنَا، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَالْعُقُوقِ، وَالْفُحْشِ فِي الْقَوْل. وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى شَيْءٍ يَجْهَلُهُ، لِئَلاَّ يَكُونَ عَلَيْهِ إِثْمُ مَنْ يُضِلُّهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيَخْتَصُّ أَهْل الْعِلْمِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى تَفَاصِيل ذَلِكَ، وَكَشْفِ الشُّبَهِ، وَجِدَال أَصْحَابِهَا، وَرَدِّ غُلُوِّ الْغَالِينَ، وَانْتِحَال الْمُبْطِلِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِغَيْرِ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا الدَّعْوَةُ إِلَى مَسَائِل جُزْئِيَّةٍ إِذَا عَلِمُوهَا وَأَصْبَحُوا بِهَا عَلَى بَصِيرَةٍ، وَلاَ يُشْتَرَطُ لِذَلِكَ التَّبَحُّرُ فِي الْعِلْمِ
__________
(1) حديث: " نضر الله امرأ سمع منا شيئًا. . . " أخرجه الترمذي (5 / 34 - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود، وقال: " حسن صحيح ".
(2) حديث: " بلغوا عني ولو آية " أخرجه البخاري (الفتح 6 / 496 - ط السلفية) من حديث عبد الله بن عمرو.
(3) حديث: " ليبلغ الشاهد الغائب " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 158 - ط السلفية) من حديث أبي بكرة.
الدِّينِيِّ بِجَمِيعِ أَقْسَامِهِ، فَكُلٌّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ يَدْعُو إِلَى مَا هُوَ عَالِمٌ بِهِ. قَال الْغَزَالِيُّ: " وَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ فِي كُل مَسْجِدٍ وَمَحَلَّةٍ مِنَ الْبَلَدِ فَقِيهٌ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ، وَكَذَا فِي كُل قَرْيَةٍ " ثُمَّ قَال: " وَكُل عَامِّيٍّ عَرَفَ شُرُوطَ الصَّلاَةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعَرِّفَ غَيْرَهُ، وَإِلاَّ فَهُوَ شَرِيكٌ فِي الإِْثْمِ. . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يُولَدُ عَالِمًا بِالشَّرْعِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ التَّبْلِيغُ عَلَى أَهْل الْعِلْمِ. فَكُل مَنْ تَعَلَّمَ مَسْأَلَةً وَاحِدَةً فَهُوَ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ بِهَا. وَالإِْثْمُ - أَيْ فِي تَرْكِ التَّبْلِيغِ - عَلَى الْفُقَهَاءِ أَشَدُّ لأَِنَّ قُدْرَتَهُمْ فِيهِ أَظْهَرُ، وَهُوَ بِصِنَاعَتِهِمْ أَلْيَقُ ". (1)

شُرُوطُ الدَّاعِيَةِ:
21 - يُشْتَرَطُ فِي الدَّاعِيَةِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا (أَيْ مُسْلِمًا عَاقِلاً بَالِغًا) وَأَنْ يَكُونَ عَالِمًا عَادِلاً، وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ مُكَلَّفَةٌ بِالدَّعْوَةِ، مُشَارِكَةٌ لِلرَّجُل فِيهَا.
وَرَاجِعْ هُنَا مُصْطَلَحَ: (الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ) (ف 4) .

أَخْلاَقُ الدَّاعِيَةِ وَآدَابُهُ:
22 - يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَخْلاَقُ الدَّاعِيَةِ مُنْسَجِمَةٌ وَمُتَّفِقَةٌ مَعَ مَضْمُونِ الدَّعْوَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَتَمَثَّل فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَفِي السُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ، وَمُنَاسَبَةُ ذَلِكَ
__________
(1) إحياء علوم الدين 2 / 342، القاهرة، المكتبة التجارية 1955 م.

الصفحة 330