كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 21)
وَالنَّحْرُ فِيمَا يُنْحَرُ وَهُوَ الإِْبِل خَاصَّةً، وَتَخْصِيصُ الذَّكَاةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ بِالذَّبْحِ أَوِ النَّحْرِ وَاجِبٌ فَلاَ يَجُوزُ الْعُدُول عَنْهَا فِي الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بِلاَ خِلاَفٍ.
قَال عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ لِمَنْ قَدَرَ، وَذَرِ الأَْنْفُسَ حَتَّى تَزْهَقَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: " الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ (1) . وَالْمَقْصُودُ بِالذَّكَاةِ فِي كَلاَمِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ذَكَاةُ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ لِغَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ صِفَةً أُخْرَى ذُكِرَتْ فِي أَحَادِيثِ الصَّيْدِ.
وَتَخْصِيصُ الإِْبِل بِالنَّحْرِ وَمَا عَدَاهَا بِالذَّبْحِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ وَاجِبٌ، وَوَجْهُ اسْتِحْبَابِهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ فِي الإِْبِل النَّحْرَ، وَفِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ الذَّبْحَ فَقَال: {فَصَل لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} (2) . وَقَال: {إِنَّ اللَّهَ
__________
(1) أثر عمر بن الخطاب وابن عباس أخرجهما عبد الرزاق في المصنف (4 / 495 - ط المجلس العلمي) . وورد في معناهما حديث مرفوع، فعن أبي هريرة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى: ألا إن الذكاة في الحلق واللبة وأورده الزيلعي في نصب الراية (4 / 185 - ط المجلس العلمي) ، ونقل عن ابن الهادي في التنقيح أنه قال: " هذا إسناد ضعيف بمرة ".
(2) سورة الكوثر / 2.
يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (1) . وَقَال: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (2) . وَالذِّبْحُ - بِكَسْرِ الذَّال - بِمَعْنَى الْمَذْبُوحِ وَهُوَ الْكَبْشُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ إِسْمَاعِيل عَلَيْهِ السَّلَامُ؛ وَلأَِنَّ الأَْصْل فِي الذَّكَاةِ إِنَّمَا هُوَ الأَْسْهَل عَلَى الْحَيَوَانِ، وَمَا فِيهِ نَوْعُ رَاحَةٍ لَهُ فَهُوَ أَفْضَل، وَالأَْسْهَل فِي الإِْبِل النَّحْرُ لِخُلُوِّ لَبَّتِهَا عَنِ اللَّحْمِ وَاجْتِمَاعِ اللَّحْمِ فِيمَا سِوَاهَا، وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَنَحْوُهَا جَمِيعُ عُنُقِهَا لاَ يَخْتَلِفُ (3) .
وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيَّةُ بِالإِْبِل سَائِرَ مَا طَال عُنُقُهُ كَالإِْوَزِّ وَالْبَطِّ وَمَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنَ النَّعَامِ (4) . وَأَوْجَبَ الْمَالِكِيَّةُ النَّحْرَ فِي الإِْبِل لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَصَل لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} وَقَاسُوا عَلَى الإِْبِل مَا قُدِرَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّرَافِيِّ وَالْفِيَلَةِ.
وَأَجَازُوا الذَّبْحَ وَالنَّحْرَ - مَعَ أَفْضَلِيَّةِ الذَّبْحِ - فِي الْبَقَرِ لِوُرُودِ الذَّبْحِ فِيهِ فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ، وَأَمَّا النَّحْرُ فَقَدْ قِيل فِي تَعْلِيلِهِ عِنْدَهُمْ: إِنَّ عُنُقَ الْبَقَرَةِ لَمَّا كَانَ فَوْقَ الشَّاةِ وَدُونَ عُنُقِ الْبَعِيرِ جَازَ فِيهَا الأَْمْرَانِ جَمِيعًا الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ؛ لِقُرْبِ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ جَوْفِهَا بِالذَّبْحِ، وَالنَّحْرُ فِيهِ أَخَفُّ، وَلَمْ يَجُزِ الذَّبْحُ فِي الْبَعِيرِ لِبُعْدِ خُرُوجِ الدَّمِ مِنْ جَوْفِهَا بِالذَّبْحِ.
__________
(1) سورة البقرة / 67.
(2) سورة الصافات / 107.
(3) البدائع 5 / 40، 41، والمقنع 3 / 538.
(4) الإقناع بحاشية البجيرمي 4 / 249، 250.
الصفحة 176