كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 21)
زَهُوقُ رُوحِهِ بِمَحْضِ الذَّبْحِ: فَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْل صَاحِبِ " الْبَدَائِعِ ": ذَكَرَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَوْ أَنَّ رَجُلاً قَطَعَ شَاةً نِصْفَيْنِ ثُمَّ إِنَّ رَجُلاً فَرَى أَوْدَاجَهَا وَالرَّأْسُ يَتَحَرَّكُ، أَوْ شَقَّ رَجُلٌ بَطْنَهَا فَأَخْرَجَ مَا فِي جَوْفِهَا وَفَرَى رَجُلٌ آخَرُ الأَْوْدَاجَ فَإِنَّ هَذَا لاَ يُؤْكَل لأَِنَّ الْفِعْل الأَْوَّل قَاتِلٌ، وَذَكَرَ الْقُدُورِيُّ أَنَّ هَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إِنْ كَانَتِ الضَّرْبَةُ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ لَمْ تُؤْكَل الشَّاةُ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ أُكِلَتْ؛ لأَِنَّ الْعُرُوقَ الْمَشْرُوطَةَ فِي الذَّبْحِ مُتَّصِلَةٌ مِنَ الْقَلْبِ إِلَى الدِّمَاغِ، فَإِذَا كَانَتِ الضَّرْبَةُ مِمَّا يَلِي الرَّأْسَ فَقَدْ قَطَعَهَا فَحَلَّتْ (1) ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ فَلَمْ يَقْطَعْهَا فَلَمْ تَحِل (2) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ (3) بِمَا يُفِيدُ اشْتِرَاطَ هَذِهِ الشَّرِيطَةِ، وَمَثَّل لَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِمَا لَوِ اقْتَرَنَ بِذَبْحِ الشَّاةِ مَثَلاً نَزْعُ الْحَشْوَةِ، أَوْ نَخْسُ الْخَاصِرَةِ، أَوِ الْقَطْعُ مِنَ الْقَفَا فَلاَ تَحِل الشَّاةُ لاِجْتِمَاعِ مُبِيحٍ وَمُحَرِّمٍ فَيُغَلَّبُ الْمُحَرِّمُ (4) .
وَالظَّاهِرُ أَنَّ سَائِرَ الْمَذَاهِبِ لاَ يُخَالِفُ فِي هَذِهِ
__________
(1) يؤخذ من هذا أن الذبح بالمعنى الشامل للنحر عند صاحب هذا الرأي لا يختص بالعنق، بل يشمل كل شق فوق القلب تنقطع به العروق الواجب قطعها في الذبح والنحر.
(2) البدائع 5 / 51، 52.
(3) الخرشي على خليل بحاشية العدوي 2 / 310، والبجيرمي على الإقناع 4 / 248، والروضة البهية 2 / 268.
(4) البجيرمي على الإقناع 4 / 248.
الشَّرِيطَةِ؛ لأَِنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَاعِدَةٍ لاَ خِلاَفَ فِيهَا وَهِيَ تَغْلِيبُ الْمُحَرِّمِ عَلَى الْمُبِيحِ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمَا، بَل إِنَّ الْحَنَابِلَةَ زَادُوا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ حَدَثَ بَعْدَ الذَّبْحِ وَقَبْل الْمَوْتِ مَا يُعِينُ عَلَى الْهَلاَكِ حُرِّمَتِ الذَّبِيحَةُ، فَفِي " الْمُقْنِعِ وَحَاشِيَتِهِ " مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ مَا خُلاَصَتُهُ أَنَّهُ إِذَا ذَبَحَ الْحَيَوَانَ ثُمَّ غَرِقَ أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَقْتُلُهُ مِثْلُهُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ:
(إِحْدَاهُمَا) : لاَ يَحِل، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي الصَّيْدِ: إِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ فَلاَ تَأْكُل. (1) وَلِقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ رَمَى طَائِرًا فَوَقَعَ فِي مَاءٍ فَغَرِقَ فِيهِ فَلاَ يَأْكُلُهُ. وَلأَِنَّ الْغَرَقَ سَبَبٌ يَقْتُل فَإِذَا اجْتَمَعَ مَا يُبِيحُ وَمَا يُحَرِّمُ غُلِّبَ التَّحْرِيمُ.
(وَالثَّانِيَةُ) : أَنَّهُ يَحِل، وَبِهِ قَال أَكْثَرُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهَا إِذَا ذُبِحَتْ صَارَتْ مُذَكَّاةً حَلاَلاً، فَلاَ يَضُرُّهَا مَا يَحْدُثُ لَهَا بَعْدَ التَّذْكِيَةِ وَقَبْل تَمَامِ خُرُوجِ الرُّوحِ.
وَهَل الذَّبْحُ بِآلَةٍ مَسْمُومَةٍ يُعْتَبَرُ مِنْ قَبِيل اقْتِرَانِ مُحَرِّمٍ وَمُبِيحٍ فَتَحْرُمُ الذَّبِيحَةُ، أَوْ لاَ يُعْتَبَرُ؛ لأَِنَّ سَرَيَانَ السُّمِّ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الذَّبْحِ؟ . صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِالثَّانِي.
وَفَصَّل الْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ
__________
(1) حديث: " إن وقع في الماء فلا تأكل " أخرجه البخاري الفتح 9 / 610 - ط السلفية.
الصفحة 182