كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 21)

لِلنَّفْسِ بِهَا يُمْكِنُ الإِْنْسَانُ أَنْ يَحْفَظَ مَا يَقْتَنِيهِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، وَهُوَ كَالْحِفْظِ، إِلاَّ أَنَّ الْحِفْظَ يُقَال اعْتِبَارًا بِإِحْرَازِهِ، وَالذِّكْرُ يُقَال بِاعْتِبَارِ اسْتِحْضَارِهِ، وَتَارَةً يُقَال لِحُضُورِ الشَّيْءِ الْقَلْبَ أَوِ الْقَوْل. وَلِذَلِكَ قِيل: الذِّكْرُ ذِكْرَانِ: ذِكْرٌ بِالْقَلْبِ، وَذِكْرٌ بِاللِّسَانِ، وَكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَرْبَانِ: ذِكْرٌ عَنْ نِسْيَانٍ، وَذِكْرٌ لاَ عَنْ نِسْيَانٍ، بَل عَنْ إِدَامَةِ حِفْظٍ. وَكُل قَوْلٍ يُقَال لَهُ ذِكْرٌ. وَمِنَ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ مَعًا (1) قَوْله تَعَالَى: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} (2) .
أَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ فَيُسْتَعْمَل الذِّكْرُ بِمَعْنَى ذِكْرِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَل، سَوَاءٌ بِالإِْخْبَارِ الْمُجَرَّدِ عَنْ ذَاتِهِ أَوْ صِفَاتِهِ أَوْ أَفْعَالِهِ أَوْ أَحْكَامِهِ أَوْ بِتِلاَوَةِ كِتَابِهِ أَوْ بِمَسْأَلَتِهِ وَدُعَائِهِ أَوْ بِإِنْشَاءِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِتَقْدِيسِهِ وَتَمْجِيدِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَحَمْدِهِ وَشُكْرِهِ وَتَعْظِيمِهِ. وَيُسْتَعْمَل الذِّكْرُ اصْطِلاَحًا بِمَعْنًى أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى إِنْشَاءِ الثَّنَاءِ بِمَا تَقَدَّمَ، دُونَ سَائِرِ الْمَعَانِي الأُْخْرَى الْمَذْكُورَةِ. وَيُشِيرُ إِلَى الاِسْتِعْمَال بِهَذَا الْمَعْنَى الأَْخَصِّ قَوْله تَعَالَى: {إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ
__________
(1) مطالب أولي النهى 1 / 107، دمشق، المكتب الإسلامي، 1380 هـ.
(2) سورة البقرة / 200.
اللَّهِ أَكْبَرُ} (1) وَقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَل مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ (2) . فَجَعَلَتِ الآْيَةُ الذِّكْرَ غَيْرَ الصَّلاَةِ عَلَى التَّفْسِيرِ بِأَنَّ نَهْيَ ذِكْرِ اللَّهِ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ أَعْظَمُ مِنْ نَهْيِ الصَّلاَةِ عَنْهُمَا، وَجَعَل الْحَدِيثُ الذِّكْرَ غَيْرَ تِلاَوَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرَ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ الدُّعَاءُ. وَهَذَا الاِسْتِعْمَال الأَْخَصُّ هُوَ الأَْكْثَرُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، حَتَّى إِنَّ ابْنَ عَلاَّنَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ الْحَقِيقَةُ، وَأَنَّ اسْتِعْمَالَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي مَجَازٌ. قَال: " أَصْل وَضْعِ الذِّكْرِ هُوَ مَا تَعَبَّدَنَا الشَّارِعُ بِلَفْظِهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِتَعْظِيمِ الْحَقِّ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ ".
وَذَكَرَ الْحَدِيثَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْتَنَعَ مِنْ رَدِّ السَّلاَمِ عَلَى الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ قَال: إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ (3) .
قَال ابْنُ عَلاَّنَ: جَوَابُ السَّلاَمِ لَيْسَ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ، أَيْ لِلثَّنَاءِ وَالتَّعْظِيمِ. فَإِطْلاَقُ الذِّكْرِ
__________
(1) سورة العنكبوت / 45.
(2) حديث: " من شغله القرآن وذكري عن مسألتي. . . " أخرجه الترمذي (5 / 184 - ط الحلبي) من حديث أبي سعيد الخدري، وقال الترمذي: " حديث حسن غريب ".
(3) حديث: " إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر " أخرجه أبو داود (1 / 23 - تحقيق عزت عبيد دعاس) ، والحاكم (1 / 167 - ط دائرة المعارف العثمانية) ، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.

الصفحة 220