كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 22)

شَخْصٍ آخَرَ، أَيْ أَنْ يَتِمَّ فِي ظِل إِكْرَاهٍ مُلْجِئٍ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الرِّضَا مَعْدُومًا (1) .
فَالإِْكْرَاهُ فِي نَظَرِ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يُنَافِي الاِخْتِيَارَ حَيْثُ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا مَعَ الإِْكْرَاهِ غَيْرِ الْمُلْجِئِ، وَيَكُونُ فَاسِدًا مَعَ الإِْكْرَاهِ الْمُلْجِئِ، وَلَكِنَّ الإِْكْرَاهَ بِقِسْمَيْهِ يُنَافِي الرِّضَا (2) .
9 - وَهَذِهِ الأَْقْسَامُ الثَّلاَثَةُ لَهَا عَلاَقَةٌ - كَقَاعِدَةٍ عَامَّةٍ - بِتَقْسِيمِهِمُ الْعُقُودَ إِلَى الصَّحِيحِ، وَالْبَاطِل، وَالْفَاسِدِ.
وَتَتَلَخَّصُ وِجْهَةُ نَظَرِ الْحَنَفِيَّةِ فِي هَذِهِ التَّفْرِقَةِ فِي أَنَّ الْمَعْنَى اللُّغَوِيَّ لِكُلٍّ مِنْ الاِخْتِيَارِ وَالرِّضَا مُخْتَلِفٌ، فَالرِّضَا هُوَ ضِدُّ السَّخَطِ، وَسُرُورُ الْقَلْبِ وَارْتِيَاحُ النَّفْسِ بِحَيْثُ تَظْهَرُ آثَارُهُ عَلَى الْوَجْهِ، وَأَمَّا الاِخْتِيَارُ فَلاَ تُلاَحِظُ فِيهِ هَذِهِ الْمَعَانِيَ، بِالإِْضَافَةِ إِلَى أَنَّ الشَّرْعَ فَرَّقَ بَيْنَ التَّصَرُّفَاتِ، حَيْثُ اشْتَرَطَ الرِّضَا فِي الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ، فَقَال تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ
__________
(1) المصادر السابقة.
(2) يقول أبو زيد الدبوسي في تقديم الأدلة / مخطوطة دار الكتب المصرية رقم 255 أصول الفقه ص 910: " المكره مختار لما فعله قاصدًا إياه؛ لأنه عرف الشرين فاختار أهونهما عليه عن علم وقصد، إلا أنه قصد فاسد؛ لأنه قصد لا عن رضا به، بل لدفع الشر عن نفسه "، وقال البزدوي في أصوله بهامش كشف الأسرار / 383: " الإكراه لا ينافي الاختيار، ولذلك كان مخاطبًا في عين ما أكره عليه ".
تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (1) } فِي حِينِ لَمْ يَشْتَرِطِ الرِّضَا فِي بَعْضِ تَصَرُّفَاتٍ غَيْرِ مَالِيَّةٍ، مِثْل الطَّلاَقِ وَالنِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلاَقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالرَّجْعَةُ (2) وَمِنَ الْمَعْلُومِ بَدَاهَةً أَنَّ الرِّضَا بِآثَارِ الْعَقْدِ لاَ يَتَحَقَّقُ مَعَ الْهَزْل، مَعَ أَنَّهُ لاَ يُؤَثِّرُ فِي هَذِهِ الْعُقُودِ، وَعَلَى ضَوْءِ ذَلِكَ قَسَّمُوا الْعُقُودَ فَجَعَلُوا بَعْضَهَا لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الرِّضَا وَهِيَ الْعُقُودُ الَّتِي سَمَّوْهَا بِالْعُقُودِ غَيْرِ الْقَابِلَةِ لِلْفَسْخِ، وَهِيَ النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ. وَاشْتَرَطُوا فِي بَعْضِهَا الرِّضَا، وَهِيَ الْعُقُودُ الْمَالِيَّةُ، ثُمَّ جَعَلُوا الاِخْتِيَارَ أَسَاسًا لِجَمِيعِ الْعُقُودِ (3) .
10 - وَلَمْ يَعْتَرِفِ الْجُمْهُورُ بِهَذَا التَّقْسِيمِ الثُّلاَثِيِّ لِلاِخْتِيَارِ، حَيْثُ هُوَ مَحْصُورٌ عِنْدَهُمْ فِي الصَّحِيحِ وَالْبَاطِل، كَمَا أَنَّ الإِْكْرَاهَ عِنْدَهُمْ يُنَافِي الاِخْتِيَارَ كَمَا يُنَافِي الرِّضَا، قَال الشَّاطِبِيُّ: فَالْعَمَل إِذَا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَصْدُ تَعَلَّقَتْ بِهِ الأَْحْكَامُ التَّكْلِيفِيَّةُ، وَإِذَا عُرِّيَ عَنِ الْقَصْدِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شَيْءٌ مِنْهَا. فَلَوْ فَرَضْنَا الْعَمَل مَعَ عَدَمِ الاِخْتِيَارِ كَالْمُلْجَأِ، وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ. . فَلاَ يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالِهِمْ مُقْتَضَى
__________
(1) سورة النساء / 29.
(2) حديث: " ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة " أخرجه أبو داود 3 / 644 - تحقيق عزت عبيد دعاس، والترمذي (3 / 481 - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وقال: " حديث حسن ".
(3) إعلام الموقعين 3 / 123 - 126

الصفحة 230