كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 22)

قَاعِدَةُ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ عَدْل اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ، فَإِنَّ خَوَاطِرَ الْقُلُوبِ وَإِرَادَةَ النُّفُوسِ لاَ تَدْخُل تَحْتَ الاِخْتِيَارِ (1) ".
وَسَنُوجِزُ الْقَوْل فِي دَلاَلَةِ هَذِهِ الْوَسَائِل:
16 - دَلاَلَةُ اللَّفْظِ عَلَى الرِّضَا، حَيْثُ هُوَ الْوَسِيلَةُ الأُْولَى وَالأَْفْضَل فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الرِّضَا، وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْخِلاَفُ فِيهِ مُنْصَبًّا عَلَى بَعْضِ الصِّيَغِ، كَصِيَغِ الاِسْتِفْهَامِ، أَوِ الْكِنَايَةِ، أَوِ الْمُضَارِعِ، حَيْثُ وَقَفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عِنْدَ مُلاَحَظَةِ نَوْعِيَّةِ الدَّلاَلَةِ اللُّغَوِيَّةِ، وَاشْتَرَطُوا أَنْ لاَ يَكُونَ فِيهَا احْتِمَالٌ، فِي حِينِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الْفُقَهَاءِ - مِنْهُمُ الْمَالِكِيَّةُ - ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْعُمْدَةَ فِي ذَلِكَ دَلاَلَةُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَأَنَّ الْمَرْجِعَ فِي ذَلِكَ هُوَ الْعُرْفُ، كَمَا أَنَّ الْقَرِينَةَ أَيْضًا لَهَا دَوْرٌ فِي جَعْل اللَّفْظِ دَالًّا عَلَى الْمَقْصُودِ (2) . وَهُنَاكَ تَفْصِيلٌ وَاسِعٌ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (عَقْد) .
__________
(1) إعلام الموقعين 3 / 105 - 106
(2) يراجع في تفصيل ذلك: فتح القدير 2 / 345، وحاشية ابن عابدين 3 / 15، والفتاوى الهندية 3 / 4، والشرح الكبير مع الدسوقي 3 / 3، وشرح المحلي مع حاشيتي القليوبي وعميرة 2 / 152، ونهاية المحتاج 3 / 376، وكشاف القناع 3 / 147، الإنصاف 5 / 353، والاختيارات الفقهية ص (121) ، والتعبير عن الإرادة للدكتور وحيد الدين سوار ط. النهضة المصرية، ومبدأ الرضا في العقود دراسة مقارنة ط. دار البشائر الإسلامية.
17 - دَلاَلَةُ الْفِعْل عَلَى الرِّضَا (الْبَذْل) أَيْ عَرْضُ الشَّخْصِ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ الآْخَرُ فَيَدْفَعُ قِيمَتَهُ، وَهَذَا مَا يُسَمَّى بِالْمُعَاطَاةِ، أَيْ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، أَوِ الْقَوْل مِنْ أَحَدِهِمَا وَالْعَرْضِ مِنَ الآْخَرِ، أَيِ الإِْعْطَاءِ مِنْ أَحَدٍ دُونَ قَوْلٍ، وَالْجَانِبُ الثَّانِي يُعَبِّرُ عَنِ الرِّضَا بِالْقَوْل، أَوِ الْكِتَابَةِ، أَوْ نَحْوِهِمَا.
وَقَدْ ثَارَ الْخِلاَفُ فِي مَدَى دَلاَلَتِهِ عَلَى الرِّضَا عَلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ مُوجَزُهَا:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: عَدَمُ صَلاَحِيَةِ الْفِعْل (الْبَذْل) لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الرِّضَا فِي الْعُقُودِ، هَذَا رَأْيُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ.
الرَّأْيُ الثَّانِي: صَلاَحِيَتُهُ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى الرِّضَا، وَإِنْشَاءِ الْعَقْدِ بِهِ مُطْلَقًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ - مَا عَدَا الْكَرْخِيَّ - وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ - مَا عَدَا الْقَاضِيَ - وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْهُمُ الْبَغَوِيُّ وَالنَّوَوِيُّ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ هَؤُلاَءِ قَيَّدُوا ذَلِكَ بِالْعُرْفِ.
الرَّأْيُ الثَّالِثُ: صَلاَحِيَتُهُ فِي الأَْشْيَاءِ الرَّخِيصَةِ، وَعَدَمُ صَلاَحِيَتِهِ فِي الْغَالِيَةِ وَالنَّفِيسَةِ، وَهَذَا رَأْيُ الْكَرْخِيِّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَابْنِ سُرَيْجٍ، وَالْغَزَالِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ (1) .
__________
(1) فتح القدير 5 / 77، وبدائع الصنائع 6 / 2985، والدسوقي على الشرح الكبير 3 / 3، وشرح الخرشي 5 / 5، والمغني 3 / 561، والإنصاف 4 / 263، وفتح العزيز 8 / 99، والمجموع 9 / 162 - 163، مجمع الأنهر 2 / 5، والبحر الرائق 5 / 291، وإحياء علوم الدين 2 / 69، والغاية القصوى 1 / 457، والمحلى 9 / 294

الصفحة 236