كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 23)
وَأَوَّل وَقْتِ الرَّمْيِ لِيَوْمِ النَّحْرِ يَبْدَأُ مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ (1) .
وَهَذَا الْوَقْتُ عِنْدَهُمْ أَقْسَامٌ: مَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقْتَ الْجَوَازِ مَعَ الإِْسَاءَةِ، وَمَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ إِلَى الزَّوَال وَقْتٌ مَسْنُونٌ، وَمَا بَعْدَ الزَّوَال إِلَى الْغُرُوبِ وَقْتُ الْجَوَازِ بِلاَ إِسَاءَةٍ، وَاللَّيْل وَقْتُ الْجَوَازِ مَعَ الإِْسَاءَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَقَطْ وَلاَ جَزَاءَ فِيهِ.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَيَنْتَهِي الْوَقْتُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمَا بَعْدَهُ قَضَاءٌ يَلْزَمُ فِيهِ الدَّمُ.
وَتَحْدِيدُ الْوَقْتِ الْمَسْنُونِ مَأْخُوذٌ مِنْ فِعْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ رَمَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ أَوَّل وَقْتِ جَوَازِ الرَّمْيِ يَوْمُ النَّحْرِ إِذَا انْتَصَفَتْ لَيْلَةُ يَوْمِ النَّحْرِ لِمَنْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَهُ.
وَهَذَا الْوَقْتُ ثَلاَثَةُ أَقْسَامٍ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ إِلَى الزَّوَال، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ إِلَى الْغُرُوبِ، وَوَقْتُ جَوَازٍ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (2) .
__________
(1) الهداية 2 / 185، والبدائع 2 / 137، وشرح اللباب ص 157 - 158، والشرح الكبير 2 / 48، وشرح الرسالة بحاشية العدوي 1 / 477 و480، والمغني 3 / 429 والفروع 3 / 513.
(2) الإيضاح ص 354، والنهاية 2 / 429، والمغني والفروع ونهاية المحتاج عن الرافعي 2 / 430، وقوله " إلى الزوال " أي من بعد طلوع الشمس.
اسْتَدَل الْحَنَفِيَّةُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ فِي الثَّقَل وَقَال: لاَ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تُصْبِحُوا (1) .
فَأَثْبَتُوا جَوَازَ الرَّمْيِ ابْتِدَاءً مِنَ الْفَجْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَدِّمُ ضُعَفَاءَ أَهْلِهِ بِغَلَسٍ، وَيَأْمُرُهُمْ يَعْنِي لاَ يَرْمُونَ الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (2) .
فَأَثْبَتُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ الْوَقْتَ الْمَسْنُونَ.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَل بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ قَبْل الْفَجْرِ، ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ (3) .
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل أَنَّهُ عَلَّقَ الرَّمْيَ بِمَا قَبْل الْفَجْرِ، وَهُوَ تَعْبِيرٌ صَالِحٌ لِجَمِيعِ اللَّيْل، فَجَعَل
__________
(1) حديث: " لا ترموا الجمرة حتى تصبحوا ". أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2 / 217 - ط مطبعة الأنوار المحمدية) .
(2) حديث ابن عباس: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ضعفاء. . . " أخرجه أبو داود (2 / 4781 - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (3 / 231 - ط الحلبي) وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ".
(3) حديث عائشة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل أم سلمة ليلة النحر ". أخرجه أبو داود (2 / 481 تحقيق عزت عبيد دعاس) . وقال ابن حجر: " إسناده على شرط مسلم ". كما في بلوغ المرام (2 / 417 - شرحه سبل السلام ط دار الكتب العلمية) .
الصفحة 156