كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 23)
وَقَالُوا: إِنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بِنَفَقَتِهِ يُشِيرُ إِلَى الاِنْتِفَاعِ بِعِوَضِ النَّفَقَةِ، وَيَكُونُ هَذَا فِي حَقِّ الْمُرْتَهِن، أَمَّا الرَّاهِنُ فَإِنْفَاقُهُ وَانْتِفَاعُهُ لَيْسَا بِسَبَبِ الرُّكُوبِ وَشُرْبِ الدَّرِّ، بَل بِسَبَبِ الْمِلْكِ. فَإِنْ لَمْ يَتَّفِقَا عَلَى الاِنْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ فِي غَيْرِهِمَا لَمْ يَجُزْ الاِنْتِفَاعُ بِهَا، فَإِنْ كَانَ دَارًا أُغْلِقَتْ، وَإِنْ كَانَتْ حَيَوَانًا تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُ حَتَّى يُفَكَّ الرَّهْنُ (1) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ فِي الْمَرْهُونِ إِلاَّ حَقُّ الاِسْتِيثَاقِ فَيُمْنَعُ مِنْ كُل تَصَرُّفٍ أَوِ انْتِفَاعٍ بِالْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ، أَمَّا الرَّاهِنُ فَلَهُ عَلَيْهَا كُل انْتِفَاعٍ لاَ يُنْقِصُ الْقِيمَةَ كَالرُّكُوبِ وَدَرِّ اللَّبُونِ، وَالسُّكْنَى وَالاِسْتِخْدَامِ، لِحَدِيثِ: الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَحَدِيثِ: الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ (2) .
وَقِيسَ عَلَى ذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ مِنْ الاِنْتِفَاعَاتِ.
أَمَّا مَا يُنْقِصُ الْقِيمَةَ كَالْبِنَاءِ عَلَى الأَْرْضِ الْمَرْهُونَةِ وَالْغَرْسِ فِيهَا فَلاَ يَجُوزُ لَهُ إِلاَّ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ؛ لأَِنَّ الرَّغْبَةَ تَقِل بِذَلِكَ عِنْدَ الْبَيْعِ (3) .
__________
(1) المغني 4 / 426 - 432
(2) حديث: " الرهن مركوب محلوب ". أخرجه البيهقي (6 / 38 - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة، ورجح البيهقي وقفه على أبي هريرة، ولكن يشهد له الحديث المتقدم
(3) روضة الطالبين 4 / 79 - 99، أسنى المطالب 2 / 161
تَصَرُّفُ الرَّاهِنِ فِي الْمَرْهُونِ:
17 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّاهِنِ التَّصَرُّفُ فِي الْمَرْهُونِ بَعْدَ لُزُومِ الْعَقْدِ بِمَا يُزِيل الْمِلْكَ كَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ وَالْوَقْفِ، أَوْ يَزْحَمُ الْمُرْتَهِنَ فِي مَقْصُودِ الرَّهْنِ، كَالرَّهْنِ عِنْدَ آخَرَ، أَوْ يُقَلِّل الرَّغْبَةَ فِي الْمَرْهُونِ، إِلاَّ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ (1) .
فَإِنْ تَصَرَّفَ بِمَا ذُكِرَ فَتَصَرُّفُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إِجَازَةِ الْمُرْتَهِنِ، لأَِنَّهُ تَصَرُّفٌ يُبْطِل حَقَّ الْمُرْتَهِنِ فِي الْوَثِيقَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ صَحَّ التَّصَرُّفُ، وَبَطَل الرَّهْنُ إِنْ كَانَ التَّصَرُّفُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ لِلْمَرْهُونِ بَدَلٌ كَالْوَقْفِ، وَالْهِبَةِ، وَيَسْقُطُ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ فِي حَبْسِ الْمَرْهُونِ. لأَِنَّ الْمَنْعَ كَانَ لِحَقِّهِ وَقَدْ زَال بِإِذْنِهِ (2) .
وَإِنْ كَانَ لِلْمَرْهُونِ بَدَلٌ كَالْبَيْعِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ: فَإِنْ كَانَ الإِْذْنُ مُطْلَقًا، وَالدَّيْنُ مُؤَجَّلاً صَحَّ الْبَيْعُ وَبَطَل الرَّهْنُ لِخُرُوجِ الْمَرْهُونِ مِنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَلاَ يَحِل ثَمَنُ الْعَيْنِ الْمَرْهُونَةِ مَحَلَّهَا لِعَدَمِ حُلُول الدَّيْنِ.
أَمَّا إِذَا كَانَ حَالًّا عِنْدَ الإِْذْنِ قَضَى حَقَّ الْمُرْتَهِنِ مِنْ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ، وَحُمِل إِذْنُهُ عَلَى الْبَيْعِ مِنْ غَرَضِهِ لِمَجِيءِ وَقْتِهِ؛ وَلأَِنَّ مُقْتَضَى الرَّهْنِ
__________
(1) المغني 4 / 401، أسنى المطالب 2 / 158، وكشاف القناع 3 / 334، القوانين الفقهية 319، حاشية الطحطاوي 4 / 247
(2) كشاف القناع 3 / 334 - 335، نهاية المحتاج 4 / 259 - 268
الصفحة 185