كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 24)

وَفِي الْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ الإِْرْسَال، وَهُوَ احْتِمَالٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي ثُمَّ قَال: وَالإِْرْسَال هُنَا يُفِيدُ، وَهُوَ رَدُّ الصَّيْدِ إِلَى الْخَلاَصِ مِنْ أَيْدِي الآْدَمِيِّينَ وَحَبْسِهِمْ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ اشْتَرَى عُصْفُورًا مِنْ صَبِيٍّ فَأَرْسَلَهُ. هَذَا وَيُسْتَثْنَى مِنْ حُرْمَةِ الإِْرْسَال مَا إِذَا خِيفَ عَلَى وَلَدِ الصَّيْدِ بِحَبْسِ مَا صَادَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ إِرْسَالُهُ صِيَانَةً لِرُوحِهِ.
وَتَسْيِيبُ الصَّيْدِ لاَ يُزِيل مِلْكَ صَاحِبِهِ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ لأَِنَّ رَفْعَ الْيَدِ لاَ يَقْتَضِي زَوَال الْمِلْكِ. وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَزُول مِلْكُهُ عَنْهُ وَيَمْلِكُهُ مَنْ أَخَذَهُ، وَزَوَال الْمِلْكِ هُوَ احْتِمَالٌ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُغْنِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ. أَمَّا لَوْ قَال عِنْدَ إِرْسَالِهِ: أَبَحْتُهُ لِمَنْ يَأْخُذُهُ، فَإِنَّ مِلْكَ صَاحِبِهِ يَزُول عَنْهُ وَيُبَاحُ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، لَكِنْ قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ قَال مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ عِنْدَ إِرْسَالِهِ: أَبَحْتُهُ لِمَنْ يَأْخُذُهُ أَوْ أَبَحْتُهُ فَقَطْ، حَل لِمَنْ أَخَذَهُ
أَكْلُهُ بِلاَ ضَمَانٍ، وَلَهُ إِطْعَامُ غَيْرِهِ، وَلاَ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ بِبَيْعٍ وَنَحْوِهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنِ اصْطَادَ شَخْصٌ صَيْدًا وَأَرْسَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ وَصَادَهُ آخَرُ فَهُوَ لِلثَّانِي اتِّفَاقًا عِنْدَهُمْ، قَالَهُ اللَّخْمِيُّ (1) .

رَابِعًا: تَسْيِيبُ صَيْدِ الْحَرَمِ:
6 - صَيْدُ الْحَرَمِ حَرَامٌ عَلَى الْحَلاَل وَالْمُحْرِمِ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ وَلاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ. (2)
وَمَنْ مَلَكَ صَيْدًا فِي الْحِل ثُمَّ أَحْرَمَ أَوْ دَخَل بِهِ الْحَرَمَ وَجَبَ عَلَيْهِ إِرْسَالُهُ، أَيْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُطْلِقَ الصَّيْدَ بِمُجَرَّدِ إِحْرَامِهِ أَوْ دُخُولِهِ الْحَرَمَ، لأَِنَّ الْحَرَمَ سَبَبٌ مُحَرِّمٌ لِلصَّيْدِ وَيُوجِبُ ضَمَانَهُ فَحَرُمَ اسْتِدَامَةُ إِمْسَاكِهِ كَالإِْحْرَامِ، فَإِنْ لَمْ يُرْسِلْهُ وَتَلِفَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَا جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: لَوْ أَدْخَل الْحَلاَل مَعَهُ إِلَى الْحَرَمِ صَيْدًا مَمْلُوكًا لَهُ لاَ يَضْمَنُهُ، بَل لَهُ إِمْسَاكُهُ فِيهِ وَذَبْحُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ لأَِنَّهُ صَيْدُ حِلٍّ، ثُمَّ قَال بَعْدَ
__________
(1) ابن عابدين 2 / 220 - 221، وجواهر الإكليل 1 / 195، ومغني المحتاج 1 / 524 - 525، والمغني 3 / 345.
(2) حديث: " إن هذا البلد حرمه الله. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 449 - ط السلفية) ، ومسلم (2 / 986 - ط الحلبي) من حديث ابن عباس، واللفظ للبخاري.

الصفحة 112