كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 24)

الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا} . (1)
وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ " سَبِيل اللَّهِ " إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ الْجِهَادُ إِلاَّ الْيَسِيرَ مِنْهُ فَيُحْمَل عَلَيْهِ.
وَلأَِنَّ الْجِهَادَ هُوَ سَبَبُ الشَّهَادَةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى اللَّهِ، (وَسَبِيل اللَّهِ) فِي مَصَارِفِ الزَّكَاةِ يُعْطَى لِلْغُزَاةِ الْمُتَطَوِّعِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ سَهْمٌ فِي دِيوَانِ الْجُنْدِ لِفَضْلِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ جَاهَدُوا مِنْ غَيْرِ أَرْزَاقٍ مُرَتَّبَةٍ لَهُمْ. (2) فَيُعْطُونَ مَا يَشْتَرُونَ بِهِ الدَّوَابَّ وَالسِّلاَحَ، وَمَا يُنْفِقُونَ بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ إِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ، وَبِهَذَا قَال مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَحِل الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيل اللَّهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَأَهْدَى مِنْهَا لِغَنِيٍّ. (3)
وَقَالُوا: وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَل الْفُقَرَاءَ وَالْمَسَاكِينَ صِنْفَيْنِ، وَعَدَّ بَعْدَهُمَا سِتَّةَ أَصْنَافٍ فَلاَ يَلْزَمُ وُجُودُ صِفَةِ الصِّنْفَيْنِ فِي بَقِيَّةِ الأَْصْنَافِ كَمَا
__________
(1) سورة الصف / 4.
(2) المصادر السابقة.
(3) حديث: " لا تحل الصدقة إلا لخمسة. . . " أخرجه أحمد (3 / 56 - ط الميمنية) وأخرج شطرًا منه الحاكم (1 / 407 - 408 - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
لاَ يَلْزَمُ صِفَةُ الأَْصْنَافِ فِيهِمَا. (1)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ تُدْفَعُ إِلاَّ لِمَنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ بَعْثِ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ وَفِيهِ: أَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ. (2)
فَقَدْ جَعَل النَّاسَ قِسْمَيْنِ: قِسْمًا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ، وَقِسْمًا يُصْرَفُ إِلَيْهِمْ، فَلَوْ جَازَ صَرْفُ الصَّدَقَةِ إِلَى الْغَنِيِّ لَبَطَل الْقِسْمَةُ، وَهَذَا لاَ يَجُوزُ. (3)
وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: {وَفِي سَبِيل اللَّهِ} الْحَاجُّ الْمُنْقَطِعُ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً جَعَل بَعِيرًا لَهُ فِي سَبِيل اللَّهِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ يَحْمِل عَلَيْهِ الْحُجَّاجَ (4) وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّ رَجُلاً جَعَل جَمَلاً لَهُ فِي سَبِيل اللَّهِ فَأَرَادَتِ امْرَأَتُهُ الْحَجَّ، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَهَلاَّ
__________
(1) المصادر السابقة.
(2) حديث ابن عباس: " أخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة. . . " أخرجه البخاري (الفتح 3 / 357 - ط السلفية) .
(3) بدائع الصنائع 2 / 46، وابن عابدين 2 / 60، وفتح القدير 2 / 205.
(4) حديث: " أن رجلاً جعل بعيرًا له في سبيل الله ". استشهد به الكاساني في بدائع الصنائع (2 / 46 - نشر دار الكتاب العربي) ، وذكره الزيلعي في نصب الراية (2 / 395 - ط المجلس العلمي) ولم يعزه إلى أي مصدر حديثي، وإنما أشار إلى الحديث الذي يليه في هذا البحث.

الصفحة 167